تحقيق: عامان على احتلال "داعش" للموصل.. ماذا حل بالمدينة؟!

الموصل - "القدس" دوت كوم - (د ب أ) - مر عامان على احتلال تنظيم "داعش" لمدينة الموصل التي تعد ثاني اكبر مدن العراق واهمها من حيث التنوع الديني والمذهبي والقومي ويقطنها اكثر من مليوني نسمة.

وتمكن تنظيم "داعش" من السيطرة على الموصل بعد هروب القوات الأمنية في العاشر من حزيران العام 2014 وخلال العامين المنصرمين مارس التنظيم مختلف الاعمال الوحشية تجاه اهل المحافظة وصروحها الدينية والمعمارية والحضارية بذرائع وحجج مختلفة.

فقد اقدم التنظيم على تدمير معالم المحافظة الدينية ولعل ابرزها جوامع النبي يونس والنبي شيت والنبي جرجيس عليهم السلام فضلا عن تدمير عشرات المزارات الدينية التي تعود لمسلمين ومسيحيين وديانات أخرى, واستولى التنظيم على محتوياتها ونقلها الى أماكن مجهولة.

لم يقف التنظيم عند تدمير معالم نينوى الدينية بل قام بتدمير صروحها المعمارية والحضارية متمثلة بمتحف الموصل الحضاري ومدينة النمرود ومدينة الحضر وبوابة نركال وقصر سنحاريب واثار منطقة خورسباد, كما قام بتهريب عشرات القطع الاثارية النفيسة التي لا تقدر بثمن الى الخارج وبيعها في المزادات العالمية دون الاكتراث الى قيمتها التاريخية عند سكان المحافظة والعراق والإنسانية جمعاء.

وبحسب تقارير خبراء فقد سجل وضع الموصل الاقتصادي تحت سيطرة التنظيم تدهورا كبيرا اثر الحصار المفروض على المدينة.

ويقول علي الطحان الاستاذ في كلية الآداب جامعة الموصل "لقد توقفت اغلب المهن عن العمل بسب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي وقلة الوقود ومضايقات التنظيم الامر الذي دفع بأصحاب المصانع الى تسريح العمال واغلاق معاملهم وهو ما ادى الى ارتفاع نسب البطالة بين صفوف الشباب وتسبب بزيادة نسبة الفقر حتى وصلت الى 70% خلال الأشهر الستة الأخيرة من هذا العام بعد ان كانت 19% في عام 2014 حسب الاحصائية الرسمية الاخيرة الصادرة عن وزارة التخطيط العراقية".

وتعاني مشافي نينوى ومراكزها الصحية من نقص حاد في الادوية والمستلزمات الطبية الضرورية لعلاج المرضى بعد ان بدأ التنظيم باستغلالها لعلاج جرحاه الذي يسقطون اثر العمليات العسكرية التي تنفذ ضدهم داخل المحافظة وخارجها ما يدعو للقلق على الوضع الصحي وينذر بكارثة لا يحمد عقباها، حيث تؤكد شهادات اطباء تعذر اجراء العمليات الجراحية الكبرى للمرضى جراء نفاد مواد التخدير ومحاليل غسل الكلى والادوية المسعفة للحياة.

ويقول الدكتور احمد الدوبرداني، مدير عام صحة نينوى بالوكالة والمتواجد حاليا بمقر بديل في محافظة دهوك، إن "الوضع الصحي في الموصل في تدهور مستمر وداعش يستخدم مستشفيات المدينة التي تحولت الى تمويل ذاتي وتعاني الاهمال ... وتشكو مستشفيات الموصل نقصا حادا في الادوية والتخدير فضلا عن شحة العقاقير الخاصة بالأمراض المزمنة والجرع الكيمياوية في الوقت الذي يستغل التنظيم الاطباء لأجراء عمليات جراحية في مستشفيات خاصة بالتنظيم وهي منازل مصادرة اصلا".

الواقع الاجتماعي في الموصل لم يسلم من الاثار السلبية التي اوجدها داعش في المدينة فبعد قطع شبكات اتصال الهاتف النقال من قبل التنظيم اصبحت المدينة منعزلة عن العالم بشكل شبة تام ليعتمد الاهالي للتواصل مع مدن العراق والعالم على شبكة الانترنت والذي اصبح يعرف عند السكان بـ"الفضائي" لرداءة الخدمة وهي مهددة بالقطع.

وتلاشت العلاقات الاجتماعية بين الناس الى حد كبير كالزيارات والاحتفال بالمناسبات داخل المحافظة لصعوبة التواصل بينهم.

وتعليميا فان واقع نينوى يعد من أكبر القطاعات المتضررة اذ اصبح مستقبل طلبة نينوى مهدد بالضياع . فقد أكدت وزارة التربية وفي اكثر من مناسبة عدم اعترافها بالنتائج الدراسية المتمخضة عن المحافظة في ظل سيطرة التنظيم, بينما يعاني الطلبة النازحون سيما المتواجدون في الاقليم من عدم توفر مدارس تحتضنهم, ليصبح مستقبل الطلبة محفوفا بالمخاطر.

ويقول خالد وليد، مدرس في احد مدارس الموصل التي رفض تحديدها خوفا على حياته، ان "نسبة الامية بالموصل ارتفعت وبشكل ملحوظ وهناك طلبة عزفوا عن الدوام في المدارس منذ عامين حيث يخشى اولياء امورهم من الدوام بمدارس تخضع لسيطرة داعش ويخشون عليهم من تغذية اطفالهم بفكر متطرف يفرضه التنظيم حتى من خلال مناهج التعليم التي وضعها حتى باتت تؤثر على سلوكية الاطفال من خلال موضوعات وصور تحرض على العنف وتدعو للجهاد".

كل هذه السياسات والممارسات التي انتهجت في السنتين الماضيتين من قبل تنظيم داعش دفعت بنخب المجتمع الموصلي وكفاءاته العلمية والادبية والاختصاصات الاخرى اضافة الى صحفيين ومحاميين وركائز مجتمع هامة للهجرة والفرار الى اقليم كردستان وبغداد ومحافظات الوسط والجنوب كذلك الى الدول المجاورة للعراق اذ تؤكد منظمات الأمم المتحدة في الدول المجاورة ان اعداد المتقدمين من الموصل والراغبين في الحصول على لجوء ارتفع بشكل كبير جدا حتى بلغ نحو70 موصليا يتقدمون كل يوم لطلب اللجوء لتمثل هذه الاحصائيات اكبر موجة نزوح تعرضت لها مدينة الموصل على مر تاريخها.

ويقول ياسر هاشم الصحفي الذي فر من الموصل ابان سيطرة داعش عليها الى المانيا "نجوت بأعجوبة بعد ان قتل زملاء لي في المهن قبل سقوط الموصل فشعرت بالخطر لكني عانيت حتى وصلت الى المانيا ولا عودة لي مجددا الى الموصل فقد باتت اخطر بقاع العالم على حياة الصحفيين".

النازحون من الموصل بمختلف طوائفهم وقومياتهم واديانهم ليسوا افضل حالا ممن بقى داخل المدينة اذ يعاني الالاف من سكان الموصل المتواجدين في المحافظات العراقية من تدهور احوالهم في ظل انعدام الدعم الحكومي المقدم اليهم, فعشرات الاطفال توفوا واصيب اضعاف هذا العدد بأمراض البرد والصدر والامراض الجلدية الخطرة كذلك يعاني النازحون كبار السن من مختلف الامراض ليكون املهم الوحيد في الحياة هو لحظة التحرير والعودة الى ديارهم.

ويقول احد موظفي الطب العدلي بالموصل رفض الكشف ايضا عن اسمه بسبب تواده داخل الموصل، "داعش سلمت الطب العدلي خلال عاملين من جثث مدنيين عزل بينهم نساء واطفال مابين (800-600)مدني ناهيك عن الضحايا التي مازالت بعد في مقابر جماعية لم تظهر فضلا عن الضحايا التي رماها التنظيم في الوديان والمستنقعات او خارج المدينة".

من جانبها تقول أم محمد (45 عاما) ان "داعش قتل ثلاثة من اشقائها وزوجها الذي فوجئت بقتله بعد ان قصدت الطب العدلي لاستلام جثث اشقائها الذين اغتالهم داعش كونهم عمال بلدية تابعين لمبنى محافظة نينوى بأعمار لا تتجاوز الـ20 عاما".

وتضيف "ذهبت الى الطب العدلي ... ومازالت اتذكر اليوم المشؤوم لكني تفاجئت بجثة زوجي الذي كان مفقودا منذ اربعة اشهر قبل اعدامه ... زوجي قتل فقط لأنه كان يعمل طباخا لدى قناة الفضائية الموصلية".

وقررت ام محمد منذ ذلك الحين الانتقام بعد دفن اربعة من عائلتها التي باتت بعدهم بدون معيل حيث تمكنت في يوم ممطر الايام الشتاء من قتل احد الدواعش خلال تواجده لوحده في مكان قريب من منزلها بعد "مغادرة اصحابه الدواعش وقمت بإطلاق النار عليه وغادرت المنزل على الفور الى بيت شقيقتي التي تقطن في دار يقع على اطراف مركز المدينة".

محمد حميد قاسم (30 عاما) وهو شرطي سابق فر الى اقليم كردستان قال "فررت من الموصل بعد عشرة ايام من دخول داعش خوفا من اخي الذي انتمى للتنظيم وكان يجبرني على تقديم توبتي للتنظيم ويلومني بين الحين والاخر عن عملي في جهاز الشرطة ودائما ما يصفني بالمرتد ولولا تدخل والدتي لتطور الموقف بيننا الى الضرب".

يذكر أن في تشرين ثان من العام 2014 كشفت مصادر طبية في الطب العدلي بالموصل انهم عثروا على مقبرة جماعية في وادي قرب بلدة بادوش غرب الموصل على بعد 3 كيلومترات من السجن بعد ان كشفت الظروف الجوية المقبرة والروائح الكريهة المنبعثة والقريبة من المقبرة والتي كانت تضم اكثر من 600 جثة تعود لسجناء شيعة كان يقضون محكوميتهم في سجن بادوش لكن التنظيم قام بإعدامهم وتصفيتهم.