أحلام أطفال المخيمات في غزة مرتبطة بواقعهم

غزة - "القدس" دوت كوم- يكبر الطفل الفلسطيني إبراهيم النمنم بين أزقة مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة ويكبر معه حلمه بأن يصبح يوما مهندسا ليساهم في "تطوير" المخيم وتحسين حياة سكانه.

ولا تبدو إجابة النمنم (13 عاما) وأقرانه من سكان المخيم تقليدية كحال غالبية الأطفال في أعمارهم في العالم، بالنظر إلى واقعهم المعيشي في مكان مكتظ باللاجئين ويسوده الفقر المدقع.

ورغم أن سكن اللاجئين في المخيمات من المفترض أن يكون مؤقتا إلى حين حل قضيتهم إلا أن النمنم يقول، إنه يريد أن يدرس الهندسة حتى يساهم في إصلاح وإعادة تأهيل منازل المخيم وبنيته التحتية غير المؤهلة على مختلف الأصعدة.

ويضيف "كل منزل وزاوية في المخيم تشجعني على التفوق في دراستي حتى أكون قادرا على مساعدة الناس هنا وتطوير وضعهم فلا يمكن الاستمرار هكذا".

ويشير النمنم، إلى أنه لو تحقق حلمه وأصبح مهندسا فإنه سيبدأ بمنزل عائلته المكون من طابق ويقطن فيه سبعة أفراد ويظهر كحال بقية منازل المخيم قديم ومتهالك ويفتقد للبناء المنظم.

وتنطبق صفات منزل عائلة النمنم على الغالبية العظمى لمنازل مخيم الشاطئ للاجئين بصورتها المتهالكة وشكلها العشوائي وسط انتشار الأزقة الضيقة والتي لا تتسع لمجرد مرور سيارات بينها.

ويعكس حال منازل المخيم وبنيته التحتية شبه المنعدمة واقع سكانه الذين يقدر عددهم بأكثر من مائة ألف شخص ويعد الفقر وشظف العيش السمة الغالبة لهم.

وفي حين يحتفل العالم في اليوم الدولي لحماية الأطفال في الأول من يونيو من كل عام ينعكس وضع أطفال مخيمات اللاجئين الفلسطينيين على أحلامهم التي لا تتعدى رغبتهم بحياة مستقرة تتوفر فيها أبسط المقومات من مسكن ومأكل وملبس.

ويدرس النمنم في الصف الثامن إعدادي حاليا ويقول، إن أغلب وقته يقضيه بعد العودة من المدرسة في مراجعة دروسه لرغبته في التفوق أكثر على أمل أن يحظى بمستقبل يمكنه من تحسين ظروفه وعائلته.

وبعيدا عن دراسته، فإن النمنم يشتكى من أنه لا يلعب كثيرا مع أصدقائه بسبب عدم توفر أماكن مخصصة لذلك في المخيم وهو ما يضعه في اعتباراته عندما يتحدث عن المستقبل وطموحاته في تأهيل المخيم.

ولا تتعدى مساحة مخيم الشاطئ الذي يسكنه فلسطينيون هجر ذويهم من قراهم التي احتلتها إسرائيل عام 1948 كيلو متر مربع واحد، وهو ما يعكس الاكتظاظ الشديد فيه حاله في ذلك حال سبعة مخيمات أخرى للاجئين في قطاع غزة المحاصر إسرائيليا منذ منتصف عام 2007.

ويعد ملف اللاجئين الفلسطينيين من أبرز قضايا الصراع التاريخي مع الاحتلال إسرائيلي الممتد منذ أكثر من ستة عقود، ومع مرور كل هذه السنوات دون التوصل لتسوية سياسية لحل قضية اللاجئين فإن تكاثر عددهم زاد حالهم سوء في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها.

وحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني "فقد طرد ونزح من الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل عشية حرب عام 1948 حوالي 957 ألف فلسطيني، أي ما نسبته 66 في المائة من إجمالي الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في (فلسطين التاريخية) آنذاك".

ويقدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عدد اللاجئين الفلسطينيين حسب سجلات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) حتى منتصف العام 2015، بخمسة ملايين و572 ألفا و350 لاجئا أي بنسبة 45.1 في المائة من عدد الفلسطينيين.

ويعيش زهاء 24 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة، فيما يعيش 17.2 منهم في الضفة الغربية، و39.2 في المائة في الأردن، و9.1 في لبنان، و10.1 في سوريا.

ولدى مقابلة أطفال في المخيمات فإنهم لا يتحدثون كثيرا عن أمور سياسية والنزاع التاريخي مع إسرائيل بقدر ما تنعكس براءتهم في تمني مستقبل أفضل لهم ولعائلاتهم.

ويعرب الطفل أحمد الأخشم الذي لم يتجاوز سبعة أعوام من عمره، عن حلمه بأن يصبح طبيبا ليكون قادرا على علاج أهل المخيم الذي يعتمد على عيادة واحدة تديرها أونروا.

ويكتب الأخشم على طائرة ورقية كان يلهو بها بالقرب من شاطئ البحر بخط صغير "الدكتور أحمد"، ويقول إنه كثيرا ما يتقمص أثناء اللعب مع أخوته وأقرانه دور الطبيب ويعمل على فحصهم.

أما الطفلة دعاء رائد (10 أعوام) فإن حلمها مرتبط بتعلقها بالمدرسة وتريد أن "تصبح أستاذة مستقبلا لتعمل في تدريس بنات المخيم الصغار وتجعلهن من المتفوقات".

ولم تحدد دعاء كما تقول مجالا معين تريد أن تتخصص به في التدريس، لكن الأهم بالنسبة لها، بحسب ما تقول، "إن تكون مؤهلة للعمل وقادرة على أن تفيد البنات الصغار ليحظوا بمستقبل جيد".

لكن ليس كل أطفال المخيمات يمكنهم تمني مستقبل مشرق وإتمام تعليمهم الجامعي بالنظر إلى أن كثيرا منهم يجبرون على ترك مقاعد الدراسة مبكرا بسبب ظروف عائلاتهم الاقتصادية الصعبة.

ومن هؤلاء الطفل محمود زيدان (16 عاما) الذي ترك الدراسة عند الصف التاسع الإعدادي مطلع هذا العام متخليا عن حلمه السابق في نيل شهادة جامعية وأن يصبح موظفا ما.

ويقول زيدان، إن سبب انقطاعه عن الدراسة هو حاجته عائلته المكونة من تسعة أفراد لأن يعمل ويوفر بعض المال ليخفف من حجم المسئولية الكبيرة الملقاة على والده والذي يعمل صيادا.

وبدأ زيدان منذ ثلاثة أشهر بالعمل في ورشة لتصليح السيارات وهو ما لا يلقى إعجابه كثيرا لكنه يقول إنه مضطر للجوء إلى هذا الوضع لمساعدة عائلته.

ويقدر مسؤولون محليون بأن من بين سكان مخيمات قطاع غزة نحو مائة ألف عاطل من خريجي الجامعات وعدد مماثل من غير المتعلمين، إلى جانب معاناتها انعدام البني التحتية وتراجع خدمات الأمم المتحدة المقدمة لهم.