الضغط النفسي.. واحد من أساليب التحقيق في أقبية السجون لانتزاع الاعترافات من المعتقلين

رام الله - "القدس" دوت كوم - ريم عماد عمر - تطوّر أجهزة أمن الاحتلال الإسرائيلي بشكل دائم، الأدوات والأساليب التي تمكّنها من انتزاع المعلومات من المعتقل، خلال مرحلة التحقيق. فبينما كان التعذيب والإرهاق الجسدي سمة بارزة من سمات التحقيق قديمًا، نجد اليوم طرقًا وأساليب نفسية ممنهجة لدى المحققين الإسرائييلين، باعتبارها أكثر نجاعة في انتزاع الاعترافات.

الأسير المحرر نعيم أبو الكعك، أمضى في سجون الاحتلال نحو 15 عاما، بفترتي اعتقال كانت الأولى عام 1988، حيث لا زال يتذكّر مرحلة التحقيق الأولى معه، حين مكث ثلاثة أشهر في الزنازين، وتعرّض للشبح والاستجواب والزجّ في "الثلاجة" وهي غرفة مغلقة لا تتجاوز مساحتها مترًا مربعًا واحدا، وتحوي كرسيا صغيرًا لا يتسع لنصف جسده، ويتم فيها وضع كيس رطب على رأس السجين حتى يفقد وعيه، ويتم بعد ذلك استجوابه للحصول على المعلومات، بالإضافة لحرمانه من استخدام دورة المياه، وبعد انتهاء فترة "الثلاجة" يتم إعادة السجين إلى الزنزانة الضيّقة.

ويقول أبو الكعك :"إن الزنزانة مصممة بطريقة تسهم في تحطيم الجانب النفسي للأسير، فالإضاءة إن وُجدت فهي خافتة وصفراء اللون، والجدران قاتمة ، وهذا ما يخلق لدى الأسير شعورًا بالعزلة عن العالم، وأن لا قوّة تستطيع إخراجه من العزل، فبالتالي يزداد هاجس الشعور بالوحدة أمام طاقم التحقيق".

أمّا الأسير المحرر اللواء قدري أبو بكر، فيقول: إن وجود الأسير داخل الزنزانة خلال مراحل التحقيق - وهي المرحلة التي تسبق دخوله إلى أقسام السجن العادية وتختلف مدتها حسب قضية التحقيق- هي سياسة تهدف لكسر إرادة الأسير، كي يعتاد "إطاعة الأوامر".

ويرى الأسير المحرر أحمد قطامش: أن المحقق الإسرائيلي يهدف خلال التحقيق لتحقيق أمرين؛ الأول هو التجاوب مع المحقق والردّ على جميع أسئلته بغض النظر عن طبيعتها، والخضوع لأوامره. والثاني أن يحطّم إرادة المعتقل من خلال تشتيته ذهنيًا، مضيفًا أن المحقق يلجأ إلى وسائل عدة أبرزها الإغراء والخداع.

ويبيّن قطامش أن هناك دراسة حول 137 وسيلة ضغط وتعذيب في سجون الاحتلال، وهي لا تستخدم مع كافة المعتقلين، وإنما يتم اختيار الوسائل التي تتناسب وطبيعة شخصية الأسير وتقييمه وخطورة ملفّه.

ويشير أبو الكعك إلى أسلوب الإرهاب بإيهام إيقاع القوّة، ففي هذا الأسلوب يستخدم الترهيب النفسي إضافة إلى الجسدي وذلك عن طريق شبح "جاسوس" بجانب الأسير على أساس أنه يتعذّب لمدة طويلة، حيث يبدأ الجاسوس المشبوح بالصراخ وإصدار الأصوات بالألم الكاذب، في محاولة لإحباط الأسير وتثبيط معنوياته.

وحول أيهما الأكثر تأثيرًا على المعتقل، التعذيب الجسدي أم النفسي؟، تقول الأخصائية في مركز تأهيل الأسرى ثورة أحمد انجاص "ليس هناك إمكانية لفصل التعذيب النفسي عن الجسدي، فكلاهما يؤثر على نفسية الأسير خلال السجن وما بعده سواء كانت فترة الاعتقال قصيرة أم طويلة، وهناك أسرى يؤثر فهم الجسدي أكثر من النفسي والعكس صحيح، ويعود ذلك التأثر إلى اختلاف تكوين شخصية الأسير".

وتضيف انجاص: إن التعذيب النفسي يترك أحيانًا أثرًا أكبر لأنه يمس المشاعر والحالات الانفعالية عند الشخص، حيث يبقى لدى الأسير رواسب للتعذيب النفسي الذي تعرّض له، ويبقى التأثير إلى مرحلة ما بعد الأسر.

وذكرت الأخصائية انجاص أن الكثير من الأسرى يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، والذي يسمى في علم النفس (BTCD)، ومن أعراضه الاكتئاب الناتج عن تعرض الأسير للصدمة النفسية الناجمة عن أساليب التعذيب المستخدمة.

ويقول الأسير (م. ر) 23 عامًا، إن قوات الاحتلال اعتقلته أثناء مواجهات اندلعت قرب معتقل عوفر، وصادرت هاتفه المحمول، واستغلّ المحققون وجود صور لخطيته على هاتفه الجوّال وبدأوا بالضغط عليه، وتهديده بنشر الصور، والاعتداء عليه إن لم يقدّم اعترافات عن الشبّان الذين كانوا معه خلال المواجهات.

أمّا الأسير المحرر (أمجد. ز) والذي اعتقل بعد أن اقتحمت قوات الاحتلال منزله في بيتونيا، قال:إنه وفي كثير من الأحيان تعرّض لتهديدات باغتصاب ابنتيه، أو أن جنود الاحتلال سيلحقون الأذى بزوجته، ويحوّلون حياة أسرته إلى جحيم.

وتقول الأسيرة المحررة (م. ب) والبالغة من العمر (22 عامًا)، إن جنود الاحتلال اعتقلوها وهي في طريقها إلى رام الله بعد مشاركتها في مسيرة النبي صالح، مضيفةً أنّه تم الاعتداء عليها وتوجيه الشتائم لها، وإجبارها على خلع ملابسها العلوية، ونقلها لمدة 12 ساعة في "البوسطة" قبل أن تصل سجن "هشارون".

أمّا الأسيرة المحررة ربيحة ذياب التي اعتقلها جيش الاحتلال ثلاث مرّات، فتقول:" إن الجنود يستخدمون أساليب قذرة؛ كالإجبار على خلع الملابس أو التهديد بمعلومات خاصة حصول عليها من عملائهم".

وتبيّن الأخصّائية انجاص أن الأسير المحرر وفي الفترة الأولى من إطلاق سراحه، يعاني في الغالب من مشاكل في النوم والتواصل مع الناس، والشهية الغذائية والأمور الحياتية الروتينية، ومن الممكن أن تتطور للاكتئاب، وممارسة العنف. الأمر الذي يمكن تخطّيه بدعم الأهل والأقارب والمجتمع القريب.