في سوريا.. الهدنة نعمة للبعض ونقمة على آخرين

دمشق - "القدس" دوت كوم - (شينخوا) - قال الشاب أحمد عيد وهو يبتسم قائلا، بعد ساعات على دخول هدنة وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منتصف ليل الجمعة، "ما أجمل الحياة بدون سماع دوي الانفجارات وأصوات الرصاص"، مؤكدا أن هذه الهدنة هي نعمة ونأمل أن تستمر طويلا.

ويبدو أن اليوم الأول في تطبيق الهدنة المأمولة أن تستمر لفترة طويلة في سوريا، شكل نوعا من النعمة لأولئك الذين يعيشون في العاصمة دمشق، وحسرة ونقمة لأولئك الذين يعيشون في مدينة حلب (شمال سوريا) حيث مشاهد العنف والقتل لا يزالان يسيطران على مشهد الحياة اليومية.

وعلى الرغم من أن وقف إطلاق النار الذي تم اختراقه، من قبل بعض مقاتلي المعارضة المسلحة في ريف دمشق الشرقي بسقوط عدة قذائف صاروخية على الأحياء السكنية، وقامت القوات الحكومية بالرد عليها، إلا أن غالبية السوريين الذين يعيشيون في مناطق وأحياء ملاصقة لجبهات القتال الساخنة التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة المسلحة التي تنتمي لتنظيم جبهة النصرة، عاشوا ليلة هادئة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

وقال الشاب أحمد عيد وعمره 30 عاما يعيش منذ أكثر من عشرين سنة في منطقة باب توما شرق العاصمة دمشق لوكالة أنباء ( شينخوا ) يوم السبت "من الصعب أن نتذكر ليلة هادئة طوال السنوات الأربع الماضية من عمر الأزمة، ولكن أمس كان الوضع مختلفا، فكان الهدوء سيد الموقف، الأمر الذي دفع الناس للذهاب إلى الأسواق الموجودة بمنطقة باب توما ذات الأغلبية المسيحية، على الرغم من أنها عطلة نهاية الاسبوع ".

وشهدت أسواق منطقة باب توما يوم السبت حركة نشطة عقب ساعات من بدء تنفيذ وقف إطلاق النار ، ما يوحي بأن الناس تنفسوا الصعداء، بعد سنوات من القتال المرعب ، وسقوط عشرات القذائف الصاروخية والهاون على تلك الأحياء من قبل مقاتلي المعارضة المسلحة، التي قتلت المئات من المواطنين.

وعانى سكان باب توما والمناطق القريبة منها من الهجمات المتكررة بقذائف الهاون والحوادث الأمنية الأخرى نظرا لقربها من حي جوبر الدمشقي، معقل المتمردين في ريف الشرقي لغوطة دمشق.

وأضاف أحمد "الحمد لله منذ الساعة 12 منتصف ليل الجمعة، وحتى الآن الوضع هادئ إلى حد كبير، ولم أسمع أي أصوات اشتباكات".

وأكد أن الجانب الرسمي السوري ملتزم بوقف إطلاق النار، ونأمل من الطرف الآخر أن يلتزم ويحترم وقف إطلاق النار، لأن السوريين سأموا من هذا العنف الذي يحصد أرواح الضحايا الأبرياء .

وتابع، "في السابق، كان مقاتلو المعارضة المسلحة قبل وقف إطلاق النار يطلقون قذائف الهاون على منطقة باب توما، وكان الشوارع خالية من المارة ، ولكن الآن إنها مكتظة بالمارة، وهذه نعمة لا نحسد عليها، ونأمل أن تستمر لوقت أطول، كي ننعم بالأمن والهدوء" .

وفي منطقة القصاع المتاخمة لمنطقة باب توما، والمحاذية لمناطق سيطرة مقاتلي المعارضة المسلحة، كان يسود الوضع نفسه قبل بدء سريان تطبيق اتفاق وقف العمليات القتالية ، وخلال الساعات الأولى من النهار وبعد الظهر عادت الروح والصخب لهذه الشوارع التي تكتظ بالمارة .

ومنطقة القصاع كانت المناطق المفضلة لدى الشباب السوريين قبل بدء الأزمة في مارس 2011، وفقدت بريقها مع مرور سنوات الأزمة التي طال أمدها.

ومن جانبها، قالت فاتن التي كانت تتمشى مع صديقتها في شارع يمتد بين باب توما والقصاع وتتمتع بالهدوء الذي خيم على المنطقة بعد سنوات من القصف المستمر الذي حرمهم متعة المشي في الشوارع، "لقد شعرت بالهدوء والسكينة والسلام، شعرنا بأن السلام القديم الذي كنا ننعم به سابقا عاد مرة أخرى، وخاصة ليلة الجمعة، فكانت هادئة ولم نسمع أية أصوات رغم قربنا من الجبهات الساخنة في ريف دمشق الشرقي"، مشيرة إلى أنه في السابق "كنا ننام على صوت دوي الانفجارات وصوت أزيز الرصاص باتجاه حي جوبر".

وأضافت فاتن (27 عاما) من سكان منطقة القصاع بدمشق أن " التحرر من الخوف والرعب شيء عظيم ، وآمل أن يستمر لفترة طويلة، لأننا في حاجة ماسة إلى ذلك"، معربة عن تمنياتها بأن تتفق كل الأطراف فيما بينها ويتوقف العنف وتعود سوريا الى سابق عهدها، وتتعافى من هذه الأزمة التي شوهت صورة الحياة فيها.

لكن حالة الشعور بالأمن والهدوء التي عاشتها أحياء العاصمة دمشق، لم تكن ذاتها في مناطق أخرى مثل حلب كبرى المدن السورية، والعاصمة الاقتصادية والتجارية لسوريا، ولم يشتركوا بالشعور الذي شعر به أهالي العاصمة دمشق.

كما أن هذا الهدوء النسبي انعكس على نفسية المواطنين السوريين في دمشق، وراح الكل يمزح، ويتبادلون عبارات "إن شاء لله تستمر هذه الحالة، كي نبقى مسرورين ومرحين"، وفي حال غضب أحدهم من الآخر يقول له من باب المداعبة والطرفة اليوم " هدنة، لا أريد الاقتتال معك ".

وقال عبد القادر، وهو مصور (26 عاما) متحدثا لوكالة ( شينخوا ) من مدينة حلب، "عندما تعيش أزمة لمدة خمس سنوات متواصلة انهكت قوانا، وتسمع بأن هناك هدنة لوقف إطلاق النار فأنك تشعر بالأمل، ولكن للأسف سرعان ما أصبح هذا الأمل سرابا ، بعد العلم بأن حلب غير مشمولة بوقف العمليات القتالية".

ومضى يقول إن "الأخبار الجيدة تجذب دائما اهتمام الناس، ولكن بعد يومين تصبح من الماضي ونتحسر عليها، وبالكاد يمر يوما واحد يخلو من العنف يتبعه شهر بأكمله سيء ومملوء بالمتاعب".

وأشار عبد القادر إلى أن اهتمام الناس في حلب يتركز على كيفية تأمين المياه، والكهرباء، وهما من الضروريات الأساسية فقدت إلى حد كبير في حلب بسبب الصراع المستمر.

وقال إنه في حي الكلاسة في شرق حلب، هناك مزيج كبير بين النصرة والفصائل المتمردة الأخرى، في إشارة الى خريطة معقدة من تحالف المتمردين في حلب، الأمر الذي يجعل تنفيذ الهدنة مهمة صعبة للغاية.

وقال عبد القادر أنه يعتقد أن الحل العسكري داخل مدينة حلب لن يجدي نفعا، مشيرا إلى أنه ليس هناك سوى المصالحة التي يمكن توحد حلب مرة أخرى.

ومن جانبه، قال قصي من مدينة حلب لـ((شينخوا)) بدمشق إن أهل مدينة حلب يشعرون بالإحباط ، ويتحسرون لأن حلب التي ذاقت الويلات خلال السنوات الخمس الماضية من عمر الأزمة ، لم تكن مشمولة بوقف العمليات القتالية، متسائلا، "ألا يحق لنا أن نتنفس الصعداء، وننفض عن كاهلنا غبار العنف والقتل والحر".

ويتطلع السوريون بشكل عام إلى هدنة وقف إطلاق النار، بكثير من التفاؤل، ويأملون من الأطراف الدولية والإقليمية أن تساعد أهالي سوريا بالخلاص من هذه الأزمة التي شردت أكثر من 7 ملايين شخص بين الداخل والخارج، وقتلت ما لا يقل عن 250 ألف قتيلا.