شاعر القبيلة؟!

رام الله - "القدس"دوت كوم - كتب إبراهيم ملحم - قد يكون السيد جمال الدجاني المحترم صحفيًا محترفًا، وإعلاميًا ذائع الصيت وهو ما توحي به سيرته ومسيرته، وما سطّره قلمه على أعمدة صحيفة "هافنغتون بوست" إحدى أوسع الصحف الأمريكية انتشارًا، بيد ان السؤال الأول الذي من حق الصحفيين الحصول على إجابة منه، عليه، عند أول لقاء يجمعهم به، هو: ما رأيك بحكومة فيشي؟!

السؤال مستمد من عنوان اختاره السيد الدجاني لمقالة له نشرها قبل أعوام " رابط المقال" في تلك الصحيفة بعنوان [The Vichy Government of Palestine] وصف ونقل فيها على ألسنة "عيّنات مختارة" من المواطنين، اتهامات للسلطة بـ"العميلة"، وللرئيس عباس بـ"الخيانة"، فأن تنقل شتيمة بادّعاء أنك مجرد ناقل لها، لا يعفيك من مسؤولية الشتم بها، فلدينا مثلٌ يقول: "ما شَتَمك إلّا اللي بَلّغَكْ". حتى أن الكاتب لم يكلّف نفسه عناء الاتيان بمجرد رأي واحد مغاير لتك الاراء التي أوردها بمقالته، وإن لدواعي "الحفاظ على سمعة المحل" الذي يرفع شعار التوازن، والموضوعية، والحيادية، في صياغة الأخبار، والتقارير! حتى أنها المقالة الوحيدة التي ينطبق عليها بالتمام والكمال القول الشائع "المكتوب يُقرأ من عنوانه"!

أكثر من ذلك، فهذه أيضًا مقتطفات من مقالة لنفس الكاتب نشرها في ذات الصحيفة قبل عامين تحت عنوان "إنجاز عباس الأخير؟" يقول فيها:

" الفلسطينيون سواء في الداخل أو في الشتات يشعرون بالقلق، وهم يعتقدون بأن عباس وفريق التفاوض الذين انتهت مدة حكمهم منذ أربع سنوات، لم يفشلوا فقط في إقامة الدولة، وإنما لم يقوموا بالإصلاح الواجب ، وأهدروا مبالغ ضخمة من المساعدات الدولية، وان استجابة عباس للضغوط الأمريكية والاسرائيلية، من شأنها أن تلغي حق عودة اللاجئين، لقد زادت المخاوف عندما قال عباس للتلفزيون الإسرائيلي إنه لا يريد العودة الى صفد".

إلى هنا ربما يقول قائل إن من حق أي كاتب أن يكتب ما يشاء أنّى يشاء، وكيفما يشاء، وهذا صحيح.

وقد يقول أخر "يا اخي شو دخلك انت ملكي اكثر من الملك"، فصدر السلطة واسع كالمطار، فهي لا تحجر رأيًا، ولا تمنع مقالاً، ولا تمارس قمعًا، ولا تضيق ذرعًا بنقد؛ فالناس عندها سواسية كأسنان المشط، فهي عادلة لدرجة أنها لا تميّز بين من آمنَ بها ومن كَفر، ومن خاصمها بروح رياضية، ومن فَجَر! ربما يكون هذا صحيحًا أيضا، لكن الصحيح والمستهجن لدرجة أن تشد بيديك الاثنتين شعر رأسك، أن يَقبل من يعتنق مثل تلك الأراء -وهذا حق مكفول له - ومن يطلق مثل تلك التوصيفات، منصبًا رفيعا في سلطة، كال لها كل تلك الاتهامات وعرّض بها كل تلك التعريضات؟!

قد تختلف مع الرئيس عباس ورئيس حكومته في سياساتهما، وفي أرائهما، وفي بعض تصريحاتهما، لكنّك أيًا يكن الأمر، لا تَفجُر بالخصومة لا للسلطة ولا للحكومة، على نحو يجعلك تطلق عليها كل تلك التوصيفات وتتبوأ مع ذلك وبعده منصب "شاعر القبيلة"؟!

لك أن تقول في السلطة ما لم يقله مالك في الخمر، ولك أن تتفق أو لا تتفق مع مواقف رئيسها ورئيس حكومتها، لكن لا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تساويها بحكومة الجنرال الفرنسي "بيتان" الذي شكّل حكومة موالية للألمان عقب سقوط فرنسا بيد ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وتحجز لك مقعدًا مع ذلك وبعده في صفوفها الأولى!

قد يقول قائل أيضًا: صحيح بأن سيرة الرجل تَشفُّ عن مواقف معارضة للسلطة ومشروعها الوطني، ولكن ما الخطأ في محاولة احتوائه وتجنيده ليكون بوقًا لها لا عليها، لا سيما في مناطق امتيازه الواسعة على الساحة الأمريكية. منطق الرد على هذا الكلام أنه حتى لو افترضنا أن الرجل قد تغيّر فهل بوسعه أن يجد سوقًا أو حتى ولو "بسطة" لترويج بضاعته الجديدة لدى زبائن اعتادوا على شراء بضاعته القديمة؟!

منذ قيام السلطة قبل نحو عشرين عامًا، سُخِّرَت للإعلام الإمكانيات، وصُرفت من أجله الميزانيات، لوضع الخطط والبرامج الوطنية، التي تؤمن بالشراكة والتعددية، وترفع سقوف الحرية، وتشيع ثقافة تعزز قيم الحوار والديموقراطية، وترفض المغالاة والإنغلاق الفكري والتنطع الديني، فلا تخوين ولا تكفير لأحد، مهما بلغت درجة الخلاف معه.

همس بعض الخبثاء بأن السلطة بهذا الاختيار تقدّم وصفة مجانية لكل طامح، أو طامع في الحصول على منصب رفيع فيها؟ "كثّر مسبّاتَك.. بترتفع درجاتك، وبِرجَح ميزان حسناتك؟!".

استهداف إسرائيل للرئيس، ووصفه بـ"الارهابي"، لرفضه الاستجابة للضغوطات، الحالية والسابقة، لحمله على القبول بالفتات، كافية وحدها لدرء "حديث الإفك" عنه، مثلما أن سياسات رئيس الوزراء د. الحمد الله، وسلامة توجهاته، ونبل مقاصده، كافية لضحد أية اتهامات تكال ضده.

يقيني أن الدكتور الحمد الله الأكاديمي الواثق، والسياسي العارف، اطّلع على المؤهلات، ولم ينتبه للخلفيات والتوجهات... فلذلك اقتضى التنويه.

جبناك يا عبد الستار لتعين؟!

كانت الساعة العاشرة مساء عندما جاء "الحصاد" على قناة الجزيرة، وبينما كانت غزة ممددة تحت قصف الطائرات وجنازير الدبابات، استهل المذيع النشرة بـبث حي "live" من مدينة نابلس، مع الدكتور عبد الستار قاسم الذي كان خارجًا للتو من اعتقال لساعات لدى قوات الاحتلال، حيث هنأه المذيع بالإفراج عنه، توطئة للحديث عن المحرقة في غزة، غير أن الدقائق الخمس المخصصة للحوار انتهت بينما كان د. قاسم منشغلا بالحديث عن "حفاوة الاعتقال" و"المعاملة الطيبة" التي تلقاها من جنود الاحتلال أثناء وبعد الاعتقال، ما أثار الحرج لدى المحاور الذكي محمد كريشان وكأني به يقول "جبناك يا عبد الستار لتدين الاحتلال لقيناك "معجوق" بحفاوة الاعتقال"!!

لعل الايجابية اليتيمة التي أظهرتها تصريحات "فتاوى" د. عبد الستار أن على الشعب الفلسطيني أن يشكر الله بكرة وأصيلا بأن المرشح الرئاسي السابق انسحب من سباق الرئاسة في ربع الساعة الأخير من فتح صناديق الاقتراع أمام منافسه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فلك أن تتخيل كيف كان فخامة الرئيس د. عبد الستار قاسم سيدير شؤون البلاد والعباد لو قيض له أن يخرج من صندوق الاقتراع؟ لقد تندر بعض السياسيين حينها بأن "المرشح الرئاسي انسحب لانو كان خايف يفوز"!!

فقد صمم الاكاديمي المتقلب وجهه في سماوات السياسة، والخارج عن النص في سباق الرئاسة، على خوض الانتخابات للوصول الى "المقاطعة" رغم معرفته ويقينه بأن أوسلو مرجعيتها، وأن التنسيق في جميع المجالات وفي مقدمتها الأمني آلياتها، وأنه لن يتمكن من الوصول إلى شارع الارسال بدون تلك الآليات التي بدونها أيضا لن يتمكن من مقابلة رؤساء الدول وزعماء العالم، واستقبالهم على البساط الأحمر، فرضي من الغنيمة بلقب "صاحب الفتاوى" بعد أن أخفق في نيل لقب "صاحب الفخامة"!