طبيبة نفسيّة فلسطينية تقدّم صورة أخرى عن الفلسطيني للعالم الغربي!

رام الله - "القدس" دوت كوم - مهند العدم - تحاول الطبيبة المقدسيّة سماح جبر، استثمار خبرتها في مجال "علم النفس" لتسهم من خلال نشر مقالات علمية وإعطاء محاضرات في أمريكا وأوروبا، في إيصال صورة الألم والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني وخلق رأي عام متضامن مع القضية الفلسطينية، الأمر الذي دفع موقعًا فرنسيًا شهيرًا لاختيارها شخصية العام 2015.

الطبيبة جبر التي تخرّجت من جامعة القدس، وتخصصت في مجال الطب النفسي في الجامعات الفرنسية، أضحت من الشخصيات المعروفة بمقالاتها العلمية التي تجنّد فيها علم النفس لخدمة القضية الفلسطينية، حيث تنشر بشكل دوري مقالات باللغتين الإنجليزية والفرنسية في مواقع غربيّة واسعة الانتشار، تعرض فيها "الأوجاع الفلسطينية" التي يسببها الاحتلال، ومضاعفاتها النفسية والاجتماعية والسلوكية، الأمر الذي ساهم في تكوين صورة إنسانية عن الشخصية الفلسطيينة "المعذبة" لدى القرّاء، رغم محاولات الاحتلال المحمومة للتخلّص من صورة "الفلسطيني المعذّب"، وفق ما تقوله الطبيبة الفلسطينيّة في لقاء مع "القدس" دوت كوم.

بداية الطبيبة سماح مع الكتابة كانت أثناء وجودها على مقاعد دراسة الطب، حيث بدأت بتقمّص دور الشاهد الذي يروي قصص الضحايا الفلسطينيين الذين تقوم بمعالجتهم ومتابعة حالتهم، بحيث تنقل صورة ما يجرى للقارئ الغربيّ. ومن ثم تطورت الكتابة لديها بعد أن تعمّقت في دراسة علم النفس التحليلي، وفق ما تقول. ثم بدأت بعد ذلك بنشر مقالات تحليلية أكثر تخصصية وتعتمد على نتائج علمية حول تأثير السلوكيات الإسرائيلية الممارسة ضد الشعب الفلسطيني، وما يمكن أن ينتج عنها من أمراض نفسية وسلوكية وردود فعل، ما جعل القارئ يكوّن صورة غير اعتيادية حول الواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه المواطن الفلسطيني في ظل الاحتلال.

وتواظب الطبيبة سماح على عقد محاضرات دورية في مختلف الجامعات والمعاهد الغربية تتناول قضايا مختلفة عن علم النفس والصحة النفسية بالأراضي الفلسطينية، وتتحدث فيها عن تأثير الواقع السياسي على نفسية الإنسان. حيث ترى أن المعرفة بعلم النفس تمكننا من إيجاد لغة خاصة نستطيع من خلالها مخاطبة مختلف شرائح المجتمعات بتنوع لغاتها، وذلك بعرض التجربة الإنسانية لشخصٍ ما بتفاصيل تهم الجميع، لما لديهم من فضول لمعرفة عواطفهم وتفكيرهم الإنساني، ومعرفة ردة فعل الإنسان حول حدث ما!

الفلسطينيون يعيشون "صدمة مختبئة"

وترى الطبيبة النفسية أن المجتمع الفلسطيني يعيش حالة من الألم النفسي و"الصدمة المختبئة" أي ما يعرف بـ "جرح غير ظاهر"، وذلك بفعل التجارب الصادمة وحالات الفقدان التي عايشوها، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مستوى الرفاه المجتمعي. مشيرةً إلى أن الشعب الفلسطيني لا يوجد فيه أمراض نفسية أكثر من الشعوب الأخرى، لكنّه يعاني ألمًا يؤثر على نوعية الحياة ورفاهيتها، ويتجلّى ذلك في أحلام الشباب وآمالهم المكسورة، وهو الأمر الذي تعتقد الطبيبة أنّه قد يتطور إلى عنف وتطرّف في حال لم يكن هناك استجابة مجتمعية تخلق لديهم فرصة تعبير حقيقية عن حاجاتهم ورغباتهم في مواجهة هذا الألم.

طفل يحمل سكين.. كيف شرحت الصورة؟

وفي تناولها لصورة الطفل الفللسطيني الذي يحمل سكّينًا، ترى الطبيبة سماح التي تشرف حاليًا على وحدة الصحة النفسية بوزارة الصحة، أن الصورة الموضوعية لطفل فلسطيني يهاجم جنديًا إسرائيليًا، هي صورة "مذهلة"، مشيرةً إلى أن الدافع للإقدام على هذا الفعل، وجود ردة فعل موازية بالقوة والتطرف لحالة الخضوع والخنوع وسحب الإرادة التي يريد الاحتلال فرضها، لافتة أن هناك فئات ترفض الخضوع النفسي للاحتلال، وبالتالي تكون ردة فعلها قوية وعنيفة تجاه هذا الفعل المتطّرف بالأساس.

وتعمل جبر على توضيح سبب الفعل للمجتمع الغربي، من خلال إظهار أن الدافع الأساسي للفعل الفلسطيني ليس ناتجًا عن سلوك منحرف أو إجرامي، بقدر ما هو ناتج عن حياة القهر والخضوع التام التي يحاول الاحتلال فرضها، فبالتالي يأتي هذا الرد الفلسطيني "الاستثنائي".

وتلفت الطبيبة المقدسيّة إلى أن تغييب الاحتلال لدور الأب الفلسطيني سواء من خلال القتل أو الاعتقال أو الإهانة على الحواجز أو عدم القدرة على حماية الأبناء وتلبية احتياجاتهم، كلّها عوامل جعلت الطفل يتصرّف كرجل راشد، ويأخذ دورًا ليس مطلوبًا منه.

وتتحدث الطبيبة جبر عن أن تمجيد وسائل الإعلام الفلسطينية للشهداء، والتنافس الحاصل لتبني الحدث، جعل عائلات الشهداء تعيش حالة "الألم المتجمد"، بحيث لا تمر في حالة "حداد طبيعية" الأمر الذي يخلق لدى العائلات ألمًا نفسيًا ومشاكل متفاقمة.

ووفقًا لجبر فإن الصورة السائدة التي يحاول الإعلام الغربي ترويجها، تُظهر الفلسطيني بصورة المعتدي الذي لا يقيم وزنًا للحياة، والمشبع بثقافة الموت والكراهية، بينما الإسرائيلي يدافع عن نفسه، مشيرةً إلى أن الاحتلال نجح أيضًا في "نزع صورة الإنسان" عن الفلسطيني، من خلال تمرير رسائل إعلامية أسهمت في تكوين صورة نفسية سلبيّة عن الفلسطيني لدى المجتمعات الغربية، وبالتالي يتم تبرير الأفعال الإسرائيلية من قتل واضطهاد بحق الفلسطينيين.

واختار موقع "oumma.com" الذي يتمتع بمتابعة واسعة في فرنسا، الطبيبة سماح جبر شخصية العام 2015، بعد أن نالت ما لا يقل عن 60 ألف صوت، متفوقة على مجموعة من الشخصيات السياسية والثقافية والإعلامية في فرنسا والعالم، معتبرة أن الاختيار هو بمثابة تكريم لجهودها التطوعية طيلة السنوات الماضية، التي قدمت خلالها آلاف المقالات العلمية في محاولة لخلق صورة حقيقية للإنسان الفلسطيني أمام العالم بعيدًا عن التشويه الإسرائليي الممنهج.