الهبة الفلسطينية و"معركة الفيسبوك" مع الاحتلال

رام الله-"القدس" دوت كوم-مهند العدم- كما هي المعركة المحتدمة ضد الاحتلال على محاور التماس، تدور مواجهات لا تقل ضراوة بين نشطاء الانترنت الفلسطينيين، و"الجيش الرقمي" الاسرائيلي على صفحات التواصل الاجتماعي، في معركة لكسب التاييد والتعاطف العالمي حول ما يجري من احداث بالمنطقة.

ومقارنة بما حققه الناشطون في حرب غزة من تفوق على الدعاية الاسرائيلية، فان الناشطين الفلسطينين لم يحققوا ذات المستوى من النتائج الامر الذي يعزوه نشطاء الى جملة من الاسباب والاخطاء التي ساهمت في تفوق الدعاية الاسرائلية.

في الانتفاضة الفلسطينية الثانية، كانت جدران المنازل والشوارع والميادين لا تجد متسعا "لبستورات" الشهداء التي تمجد "بطولاتهم" في الزي العكسري، والتي كانت تستغلها الصحافة الاسرائلية والاجنبية كدليل على ان اسرائيل تقتل "الارهاب الفلسطيني" والتي لاقت قبولا واسعا لدى الجمهور الغربي، المشهد ذاته بات بحسب خبراء الاعلام الاجتماعي يتكرر اليوم على صفحات "الفيسبوك"، حيث اصبحت مكانا اكثر اتساعا لنشر "بوستر" الشهداء التي تخلو من انسنة صور الشهداء، امام دعاية اسرائلية ضخمة للصق صفة الارهاب بهم (بالشهداء) عبر الترويج لصور يرى فلسطينيون انها تمجد شهدائهم، ولكن فان العالم يراها من المنظور الاسرائيلي الذي يقدمها كفعل "ارهابي".

ومع كل مشهد اعدام لشاب او شابة على يد قوات الاحتلال، تتدفق عشرات الصور من الاعلام العبري التي سرعان ما تتناقلها وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الفلسطينية دون ادراك خطورة تمريرها، كما يقول مراقبون، كما يرى خبير الاعلام الرقمي والاجتماعي مؤمون مطر.

ويقول مطر "مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والصحفيين تجاوز المحاذير الاعلامية والاخلاقية للنشر خلال الاحداث المستمرة، تجاوزوا المحاذير التي تمنع ويحظر فيها نشر صور الدم والشهداء".

واضاف في حديث لـ "القدس" دوت كوم، "خسر الفلسطينيون انسانية الشهيد امام العالم، من خلال تركيز مواقع التواصل الاجتماعي والاعلام الالكتروني على المشهد البطولي للشهيد الذي تغذيه في كثير من الاحيان اجندات سياسية معينة للابقاء على الوضع المشتعل رغم تعرض الشهيد للاعدام بدم بارد. ومقابل ذلك غابت صورة الشهيد وحياته اليومية والتفاصيل الجميلة له كانسان يحب الحياة".

ويشير مطر الى ان الاعلام الفلسطيني والاجتماعي "يفتقد الرؤية والاستراتجية للتعامل مع الدعاية الاسرائيلية، مقابل عمل الاخيرة وفق استراتجية وخطط ممنهجة يشرف عليها خبراء، ويشارك فيها جيش من المتطوعين للحفاظ على صورة الاسرائيلي كضحية والفلسطيني كمعتدي امام العالم، والتي كان اخرها تقديم 20 الف اسرائيلي شكوى في محكمة امريكية ضد الفيسبوك لدعمه ما وصفوه بالتحريض وارتكاب الارهاب ضد الاسرائيليين على صفحات الفيسبوك الفلسطينية".

واوضح ان "اسرائيل تعمل وفق منظومتين لتعزيز روايتها وتبرير جرائمها، الرواية الاولى الرسمية، وما يتبعها من صحف وفضائيات وصفحات تواصل اجتماعي، وهي مجهزة تماما لإلصاق تهمة الارهاب بالفلسطينيين وتصوير ما يقومون به من تصد للاحتلال على انه /اعمال ارهابية/، والمنظومة الثانية تتمثل فيما ينشره المتطرفون الذين يقومون بنشر الصور بعد كل عملية، بهدف تجريد الفلسطينيين من انسانيتهم واظهارهم كمعتدين".

وبحسب مطر فاننا "فشلنا في التصدي للرواية الاسرائيلية امام العالم، باستثناء حادثة استشهادالشاب بهاء عليان، والفيديو الذي وثق اطلاق النار على الطفل احمد مناصرة"، موضحا انه "بعد نشر قصة الشهيد عليان الذي كان دخل موسوعة جينيس للارقام القياسية بتشكيله اطول سلسلة قراءة في مدينة القدس، فقد اثير الرأي العام حول السبب الذي يدفعه /لتنفيذ عملية/ ادت الى انهاء حياته".

واوضح ان تصوير الشهيد كبطل وارفاق صور له اثناء تنفيذ العملية، وتناقل رواية الاحتلال حول ما جرى، "ساهم في تعزيز الدعاية الاسرائيلية امام العالم وافقدنا التعاطف العالمي".

وقال "الناشط الفيسبوكي" محمود حريبات، ان "التجارب الحالية هي الاسوأ من حيث التعامل والنشر"، موضحا "في الحرب الاخيرة على غزة كان نشطاء الفيسبوك يقودون حملات منظمة نجحت بالتفوق على الدعاية الاسرائلية لاول مرة، وما نشاهده اليوم هو صور مبعثرة للروايات الفلسطينية، وتدوال صور مضرجة بالدماء لا يتقبلها العالم الغربي مما ساهم بفقدنا لروايتنا".

وتابع حريبات في حديث لـ "القدس" دوت كوم، "توفر حسابات الفيسبوك للشهداء مصدرا هاما للحصول على صور للشهداء وهم في اجمل اوقاتهم، او اثناء ممارستهم انشطتهم اليومية، وهي الصور التي يجب ان نخاطب العالم بها، الا اننا ننجر وراء الصور التي تخرج من الاعلام الاسرائيلي لحظة استشهادهم ما يفقدنا القدرة على دحض الرواية الاسرائلية".

ويرى استاذ الاعلام في جامعة بيرزيت، والخبير في الاعلام الكتروني محمد ابو الرب أن تاثير "الفيسبوك" ومواقع التواصل الاجتماعي "هو المحرك الاساسي للهبة الحالية، وانها شكلت المنصة المباشرة للحشد من خلال نشر مواد ورسائل اعلامية متنوعة ساهمت بالتفاعل معها في الميدان".

واوضح أبو الرب في حديث لـ "القدس" دوت كوم، "هناك اعتقادا خاطئ بانه كلما كانت الصور والتسجيلات اكثر دموية كان التفاعل معها اكبر لتعزيز الاستجابة".

واضاف "يجب ان نبتعد حين نخاطب الجمهور المحلي والدولي عن الصور الدموية وان ننشر القصص الانسانية والصور التي تجسد حياة الشهداء واحلامهم وطموحاتهم لاظهار حقيقة ان الضحية هو الفلسطيني الذي تحاول الدعاية الاسرائلية تزييفها امام العالم".

وبين ابو الرب أن تفوق الفلسطينيين "تراجع في هذه الهبة امام الدعاية الاسرائيلية، مقارنة بالحرب على غزة، وذلك بفعل الماكنة الاعلامية والدعائية التي خصصتها اسرائيل لنشر روايتها حول ما يجري، عبر توزيع ونشر الاخبار والصور والتقارير الممولة والمدعومة على صفحات التواصل الاجتماعي، وذلك بعكس الجانب الفلسطيني الذي تقوم نشاطاته على جهود فردية ومبادرات مبعثرة غير مدعومة في ظل غياب دعم حكومي للقيام بحملات مضادة".

وبين ابو الرب ان محاولة البعض التركيز على اظهار صور الشهيد كبطل والمبالغة في ذلك، (رغم انه ضحية) "تساهم في تعميق الفجوة بين القارئ والمشاهد والحدث، حيث تقوم كثير من الصفحات بتضخيم ما يحدث واظهار بطولات الشهداء للابقاء على اجندات معينة كالتحشيد، والحفاظ على صورة الاحداث القائمة واستمرارها. وحين يكتشف القارئ حقيقة ما جرى بان الشهيد قد اعدم بدم بارد تتعمق الفجوة، ويمل القارئ من متابعة ذلك، وهو من اصبحنا نلاحظه بشكل واضح من تراجع وانخفاض المشاركات والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي حول الاحداث الجارية".

ويدعو الخبراء نشطاء التواصل الاجتماعي الى التركيز على الصور الانساينة للشهداء للتصدي للدعاية الاسرائلية امام العالم.