هنا فلسطين .. "حارسات البقاء والحياة" على خطوط النار وفي ساحات المواجهة

رام الله - "القدس" دوت كوم - مهند العدم - وسط المواجهات المحتدمة بين الشبان الغاضبين وقوات الاحتلال بالقرب من مستوطنة "بيت ايل" المقامة عند مدخل مدينة البيرة، ثمة العديد من الفتيات اللواتي يتصدرن صفوف المتظاهرين ببسالة وشجاعة لافتة في مشهد أعاد للاذهان الكثير من الصور التي كانت تتدفق من ساحات المواجهة خلال الانتفاضتين الاولى والثانية.

هناك، عند مختلف محاور الاشتباك، فتيات من مختلف الاعمار يخفين وجوههن خلف الكوفية، ويسابقن الشبان في القاء الحجارة، لا تسعفهن احيانا قوة اجسادهن الناعمة في اصابة الاهداف البعيدة عن مرمى حجارتهن، فيقتربن اكثر من الجنود المدججين بكل وسائل القتل، يطلقن ما في جعبتهن من حجارة نحو الهدف الذي يكّمن خلف متاريس محصنة، ومن ثم يعدن الى مواقعهن خلف اسوار المباني وما توفر من متاريس لا تقي من رصاص القتلة من اجل التقاط الانفاس والحجارة والانطلاق ثانية في غارة جديدة.

الطالبة "مرام" من جامعة بيرزيت والتي اكتفت بذكر اسمها الاول خشية ملاحقتها واعتقالها من قبل سلطات الاحتلال، تواظب بشكل دوري على المشاركة في المواجهات المندلعة بالقرب من مستوطنة "بيت ايل" برفقة زميلات لها.

تقول هذه الفتاة التي كان بريق عينيها يشع من خلف الكوفية، ان مشاركتها الى جانب فتيات اخريات في المواجهات مع الاحتلال أمر طبيعي وواجب وطني، مضيفة ان المرأة الفلسطينية منذ بداية الصراع وفي مختلف مراحل الكفاح الفلسطيني كانت تتصدر المشهد ولم تتغيب ابدا عن ساحات المواجهة والتاريخ شاهد.

واوضحت ان والدتها كثيرا ما كانت تحدثها عن مشاركتها في الانتفاضة الثانية سواء من خلال الانخراط المباشر في المواجهات والقاء الحجارة او عبر اعداد الطعام للمتظاهرين وتوفير وتأمين كل ما يحتاجونه من متطلبات.

وتضيف مرام في حديث مع "القدس" دوت كوم، بعد ان اغرورقت عينيها بالدموع جراء قنابل الغاز التي يطلقها جنود الاحتلال بكثافة : "الفتاة الفلسطينية تمتلك الشجاعة الكافية للنزول الى الميدان، ولا احد يمكن ان يمنعها من ذلك، فوجودها في ساحات المواجهة يضفي على نضال الشعب الفلسطيني الكثير من المعاني والدلالات وأولها ان كل فئات وقطاعات الشعب الفلسطيني منخرطة في مقاومة الاحتلال وان المقاومة لا تنحصر في فئة دون اخرى وان المرأة الفلسطينية جزء وشريك اصيل في مسيرة النضال والمقاومة".

وتقول مرام انها صارت الان اكثر قوة مقارنة مع اول مشاركة لها في المواجهات، حيث باتت الان تمتلك قدرات خاصة لجهة اصابة "الاهداف" بالحجارة وصارت تنافس رفاقها الشباب في القدرة على المناورة والكر والفر.

وفي استراحة المحاربات، تجد بعض هؤلاء الفتيات يبادرن الى إعادة ترتيب هندامهن والتأكد من ان الكوفية تقوم بوظيفتها لجهة اخفاء الوجه وكذلك الحال بالنسبة للاحذية الرياضية التي ينتعلنها خصيصا من اجل المشاركة في المواجهات.

تقول رفيقة مرام ان الاهتمام بالمظهر دليل على اننا نرغب بالحياة لكن بدون احتلال، مضيفة "نحن هنا ليس من اجل الموت كما تقول اسرائيل للعالم .. نحن هنا لطرد الاحتلال ولكي نتمكن من العيش في بلد حر ومستقل مثل باقي فتيات العالم".

ويقول الشاب عمر الذي يواظب هو الاخر على المشاركة في المواجهات المندلعة في المنطقة، ان انخراط الفتيات في المواجهات مع الاحتلال بات مشهدا مألوفا وعاديا، ولا احد يمكن ان ينكر شجاعتهن فنحن نجدهن الى جانبنا في الصفوف الامامية حتى ان بعضهن يقتربن بشكل خطير من الجنود الذين لا يتورعون عن قتل واستهداف اي متظاهر او متظاهرة.

وتعمل بعض فتيات على توفير "الدعم اللوجستي لـ المعركة"، بما ذلك جمع الحجارة والزجاجات الفارغة وايصالها الى المتظاهرين في الصفوف الامامية من المواجهة.

وقالت فتاة كانت منهمكة مع رفيقاتها في جمع الحجارة من الاراضي القريبة من ميدان المواجهات، "ان مهمتها الاساسية هنا تتمثل في جمع الحجارة المناسبة لاصابة رأس العدو".

وتقول مرام أن والدتها تعلم بمشاركتها في المواجهات وانها تتصل بها بشكل دوري للاطمئنان عليها، مشيرة الى انها (والدتها) تطالبها بعدم الاقتراب من الجنود والعودة الى المنزل باكرا، الا انها اشارت الى ان بعض رفيقاتها يشاركن دون علم عائلاتهن التي ترفض مشاركتهن خشية استهدافهن من قبل جنود الاحتلال.

ويقول المصور الصحفي عصام الريماي في حديث لـ "القدس" دوت كوم، أن المصورين الفلسطينيين يحرصون على التقاط صورة تليق بشجاعة الفتاة الفلسطينية في الميدان، وهي الصورة التي سرعان ما تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي وتتصدر الصحف والمواقع الاخبارية العالمية عند نشرها، مشيرا الى ان مشاركة المرأة الفلسطينية في الفعاليات النضالية يمنحها حصانة من نوع خاص ويضفي على التظاهرات بعدا انسانيا لطالما حاولت اسرائيل تغييبه من خلال تصوير المتظاهرين على انهم مجموعة من الارهابيين والقتلة والخارجين على القانون.

واضاف الريماوي انه كثيرا ما يتلقى رسائل اعجاب حول الصور التي يلتقطها للفتيات المشاركات في المواجهات، غير انه اشار الى "بعض التعليقات السلبية التي يسمعها من من قبل بعض العقول التي ما زالت ترفض نزول المرأة الى الميدان الا ان هذه الاصوات قليلة مقارنة مع عدد المعجبين والداعمين لمشاركة المرأة وانخراطها في اي فعل نضالي".

وقال "الفتيات في ساحة المواجهة يخطفن انظار المصورين المحليين والاجانب الذين يلاحقونهن بعدساتهم لالتقاط صور باتت (تأنسن) صورة المقاومة الفلسطينية في العالم".

ولا تقتصر مشاركة الفتيات على المواجهات المندلعة في رام الله والبيرة، حيث رصدت عدد المصورين تواجدا لافتا للفتيات في المواجهات المشتعلة في الخليل، ونابلس، وبيت لحم، وقطاع غزة، وهو ما يؤكد ان المرأة الفلسطينية وعلى اختلاف البيئة الاجتماعية التي تعيش فيها لا تترد لحظة عن تلبية النداء والقيام بالواجب ذلك لانها تؤمن ان التحرر من الاحتلال هو بداية الطريق لتحقيق الحرية المنشودة على كل الجبهات وبناء فلسطين الحرة والمستقلة .. فلسطين التي قالت في اعلان استقلالها ان المرأة الفلسطينية الشجاعة هي "حارسة بقائنا وحياتنا، وحارسة نارنا الدائمة".