لِمَ لا.. علاقات مع موسكو وعلاقات مع أميركا؟!

مبالغة مفتعلة وزائدة عن حدود المعقول والمقبول أن يصف البعض زيارات بعض المسؤولين والقادة العرب إلى موسكو بأنها «حجيج» عربي إلى روسيا، وأن يرى هؤلاء أن هذه الزيارات مؤشرٌ ودلالة على انتقال عربي من الغرب إلى الشرق، وابتعاد عن الولايات المتحدة لحساب ومصلحة الاقتراب من الروس، الذين لا تزال فيهم رائحة الاتحاد السوفياتي وبعض معطياته، وذلك رغم انهياره بدايات تسعينات القرن الماضي، وعودة الرأسمالية بقيمها وأنيابها المتوحشة ورحيل الماركسية – اللينينية، وبحيث لم يبق منها ولو ما يشبه بقايا الوشم في ظاهر اليد!!

حتى في ذروة صراع المعسكرات والحرب الباردة وسباق التسلح ومحاولة كل من المعسكرين المتناحرين، المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي، اللعب في ساحة الآخر ومضايقته والتشويش عليه، فقد كانت هناك علاقات بين الدول العربية التي تعتبر «محافظة» ومعادية للشيوعية، وبين موسكو وكل عواصم الدول الاشتراكية التي تدور في الفلك السوفياتي، بل إن بعض هذه الدول العربية المحافظة قد بقيت تعقد صفقات تسليح مع الدولة السوفياتية ومنظومتها، وبقيت علاقاتها مع بعض دول هذه المنظومة في أحيان كثيرة أفضل كثيرًا من علاقاتها مع بعض الدول الغربية.

هناك شيء في العلاقات بين الدول، حتى بين الدول الكبيرة والدول الصغيرة، شيء اسمه المصالح المشتركة، وعلى أساس الندِّية وبعيدًا عن التبعية. وحقيقة فإن كل المسؤولين والقادة العرب الذين زاروا موسكو في الفترات الأخيرة قد اختلفوا مع الروس حول أهم قضايا التقارب والتباعد التي هي الأزمة السورية. فالمملكة العربية السعودية قد أعلنت، وأكثر من مرة ومن قلب العاصمة الروسية ومن فوق طاولة التفاوض، تمسكها بموقفها الثابت القائل إنه لا مكان لبشار الأسد في مستقبل سوريا وحتى في المرحلة الانتقالية، وفقًا لخطة جنيف، وأنه «لا مساومة إطلاقًا على هذا الموقف»، وكل هذا في حين أن الأردن ومصر قد أكدا على أنه لا حل لهذه الأزمة إلا حلُّ جنيف، وذلك في حين أن القيادة الروسية بقيت متمسكة بالرئيس السوري، ولكن مع تغيير لا شك في أهميته، وهو إعطاء الأولوية لإشراك سوريا في تحالف الحرب على «داعش» ومقاومة ومواجهة التنظيمات الإرهابية.

إنَّه لا بد من الاعتراف بأن روسيا دولة قد حافظت على مكانتها ودورها العالمي وحضورها الفاعل في هذه المنطقة وفي العديد من المناطق الكونية المؤثرة، وبخاصة في عهد هذا الرئيس النشط والحازم فلاديمير بوتين، ثم إنه لا بد من الاعتراف بأن «الدبلوماسية» الروسية تتميز عن الدبلوماسية الأميركية بأنها نشطة، وأنها مثابرة، وأنها غير مترددة، وأنها ثابتة، وأنها واضحة وضوح الشمس، وهذا يجتذب إليها حتى الذين يخالفونها، ويدفعهم إلى احترامها وسهولة التعاطي معها، فـ«الأبيض أبيض والأسود أسود»، وكل هذا من دون مفاجآت مربكة للأصدقاء أكثر من «الأعداء»، وكل هذا وهناك معاناة عربية فعلية في التعاطي مع دبلوماسية الولايات المتحدة وبخاصة المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط المتقلبة، وحيث بقي باراك أوباما يعلن عن مواقف مشجعة، لكنه ما يلبث أن يهملها ويتخلَّى عنها قبل أن يصيح الديك!!

إنه ضروري أن تبقى طرق العرب إلى موسكو سالكة وآمنة باستمرار، فالقطيعة، في مثل هذه الأوضاع القاسية والصعبة التي يعيشها الشرق الأوسط، مع دولة هي أقرب الدول الكبرى الفاعلة والمؤثرة إلى منطقتنا، تؤدي إلى عمى الألوان، وتؤدي إلى الارتباك. وهنا فإن ما ينطبق على روسيا يجب أن ينطبق على مجموعة الـ«بريكس» كلها، وبخاصة الصين الشعبية التي غدت، بقوة اقتصادها ومتانة دبلوماسيتها وتفوقها العسكري، تحتل مكانة عالمية لا يمكن أن يتجاهلها إلا أعمى بصرٍ وبصيرة.

إنه غير صحيح وعلى الإطلاق أن روسيا قد تمكنت في السنوات الأخيرة في عهد فلاديمير بوتين، وفي عهد إدارة باراك أوباما، المرتبكة المربكة، من إزاحة الولايات المتحدة من وجهها، فهذا فهمٌ يستند إلى الأوهام، وهو بعيد عن الحقيقة بعد الأرض عن السماء، فالروس ما زالوا يعانون من أوضاع اقتصادية سيئة جدًا، وما زالوا يواجهون في محيطهم وفي القارة الأوروبية وفي العالم كله تحديات ومصاعب كثيرة. وبالمقابل فإن الاقتصاد الأميركي لا يزال أقوى وأهم اقتصاد في العالم، وأميركا رغم كبواتها الكثيرة السيئة والموجعة وبخاصة في عهد هذه الإدارة المترددة وتحديدًا في مجال السياسات الخارجية، فإنه من الواضح أنها ستبقى تحتل هذه المكانة التي تحتلها الآن حتى منتصف هذه الألفية الثالثة، على الأقل هذا إن لم يكن حتى نهاية هذا القرن كله.

إننا كعرب بحاجة إلى أن تبقى علاقاتنا مع الولايات المتحدة ومع روسيا وثيقة ومتنامية، وإنْ من موقع المختلف في بعض الأحيان، فالاختلاف في وجهات النظر يجب ألا يفسد للود قضية، وهنا فإنه علينا ألا نفكر إطلاقًا، وقد قطعت الألفية الثالثة من شوطها الطويل خمسة عشر عامًا، بعقلية الحرب الباردة وصراع المعسكرات، وأن التقارب مع موسكو يجب أن يقابله تباعد مع واشنطن، وأن العلاقات القديمة والتاريخية مع أميركا يجب أن تبقى بمثابة «زواج كاثوليكي»، فهذا هو الخطل السياسي بعينه، وهذه هي الدبلوماسية الحولاء التي لا تنظر إلى الأشياء إلا بعين واحدة.

نحن كعرب، والمقصود عرب المواقف الصحيحة وعدم التأرجح يمينًا وشمالاً، حسب مستجدات الأمور والمصالح الآنية العابرة والتصورات الخاطئة، بحاجة إلى الروس على أساس المصالح المشتركة، حتى وإن كنا نختلف معهم بالنسبة للقضية السورية التي نعتبرها قضية رئيسية وأساسية، وأيضًا بحاجة إلى الأميركيين حتى وإنْ كنا لا نتفق معهم وهم لا يتفقون معنا على الكثير من شؤون وشجون القضية الفلسطينية. فالقطيعة سواء في هذا الاتجاه أو ذاك تعني انعدام الرؤية، وتعني السير على طريق يعاني من اعوجاجات كثيرة، وهذا ليس غير جائز فقط، بل ممنوع ومحرم بالنسبة لمن يواجه تحديات كالتحديات التي نواجهها والتي من الواضح أننا سنبقى نواجهها لسنوات طويلة.

ولهذا فإنها «مبالغة» أكثر من اللزوم أن يتحدث البعض عن «حجيج» عربي إلى موسكو، فالأمور هي بالتأكيد ليست كما يرى هؤلاء ويتصورون، فهذه الزيارات التي قام بها بعض القادة والمسؤولين العرب إلى العاصمة الروسية، وبعضهم أكثر من مرة، هي ضرورية ولازمة، خاصة ومنطقتنا تعاني من كل هذه الأزمات الطاحنة التي تعاني منها. ثم وإن الأكثر ضرورة هو ألا نتصرف كما كان يتصرف بعضنا زمن الحرب الباردة وصراع المعسكرات، وأن يكون توجهنا نحو الشرق على حساب توجهنا القديم - الجديد نحو الغرب، فنحن بحاجة إلى علاقات واضحة وصحيحة وصحية وقائمة على الوضوح والصراحة، وعلى أساس المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة ومع روسيا الاتحادية، وكل هذا مع عدم نسيان أن هناك دولاً فاعلة وصاحبة مصالح مشتركة معنا كعرب سواءً أكانت دول مجموعة الـ«بريكس» أو الدول الأوروبية التي تربطنا بها علاقات قديمة كان يشوبها الكثير من التوتر، وعلاقات جديدة من المفترض أن نحافظ عليها وأن نطورها إلى الأفضل دائمًا وأبدًا وباستمرار.

لكن وفي النهاية فإنه يجب إشعار موسكو، وبخاصة بعدما أعلن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا هذه الخطة «المربكة» التي أعلنها والتي يحتاج تطبيقها ليس إلى مجرد معجزة واحدة، بل إلى ألف معجزة وفي زمن لا معجزات فيه، بأنَّ تطوير العلاقات الحالية معها يحتاج إلى تنازل ملموس عن تمترسها المستمر عند مواقفها الثابتة إزاء الأزمة السورية، والتي في ضوء مستجدات الأعوام الأربعة الماضية لم يعد جائزًا الإصرار عليها، وبخاصة أن هناك اعترافًا من قبل كل المعنيين بهذه الأزمة بأن الزمن قد تجاوزها، وأنها قد أصبحت خلفه!