نيران المستوطنين لا تزال مشتعلة في صدور عائلة دوابشة

نابلس/ غسان الكتوت - "القدس" دوت كوم - "ماذا فعل لهم علي أو أحمد أو سعد أو ريهام"، سؤال يكرره نصر دوابشة ولم يجد له جوابا مقنعا يبرر حرق المستوطنين لعائلة شقيقه، في بلدة دوما فجر الجمعة الأسود.

"أخي كان عاملا كادحا، كانت كل أحلامه أن يبني بيتا بسيطا لعائلته ويوفر لها حياة كريمة ويؤمن مستقبل أولاده وزوجته"، يقول نصر، ويتابع: "أما زوجته ريهام، فكانت معلمة فاضلة تربي الأجيال.. تحمل القلم، ولم تكن تحمل صاروخاً أو تملك دبابة".

يبكي سعد ويُبكي معه الجميع، وهو يقول: "تسألني أمي متى سيعود سعد، فلا استطيع لها جوابا".

النيران التي اشعلها المستوطنون في تلك الليلة انطفأت ألسنتها بعد ساعات، لكن النيران لا تزال مشتعلة في قلوب كل افراد عائلته، لا بل في قلوب كل من بقي في صدره مثقال حبة من رحمة وانسانية.

ويقول نصر ان ابني اخيه سعد، واللذين كانا يمضيا نهارهما في بيت جدهما بسبب عمل والدتهما، نالا من جديهما محبة تفوق ما ناله ابوهما واعمامهما.

ويضيف نصر: "نستمد الصبر والايمان من والدي رغم انه شيخ كبير بالسن وضرير، وكان إمام مسجد القرية لمدة 40 عاما، فقد قال لي: اصبر يا بني ولا تحزن، فوالله إن علي هو المسمار الأخير في نعش الاحتلال".

جلاد يخشى الضحية

نصر الذي رافق شقيقه الى المستشفى الاسرائيلي، كان مقصد الصحافة الاسرائيلية التي حاولت استكشاف بم يفكر الفلسطينيون بعد هذه الجريمة، فكانت اسئلتها تركز على ثلاثة محاور، هي مدى الرغبة بالانتقام، وامكانية اندلاع انتفاضة ثالثة، وفرص محاكمة القتلة.

ويقول نصر: "كان ردي على السؤال الاول اننا نحن الضحية واننا نحن المعتدى علينا، اما السؤال الثاني فكاد ردي ان لكل فعل ردة فعل واذا كنتم تخافون انتفاضة ثالثة فعليكم ان تلجموا هؤلاء المجرمين، اما السؤال الثالث، فقلت لهم باننا لا يوجد عندنا ثقة بالقضاء الاسرائيلي الذي برأ قاتل محمد ابو خضير وقال عنه مجنون، وغدا سيقولون عن قتلة علي مجانين، فاذا كانوا فعلا مجانين فإن مكانهم مستشفى المجانين وليس في الشارع يعربدوا فيه".

لحظات لا تنسى

يتمالك نصر اعصابه وهو يستعيد اللحظات المؤلمة التي عاشوها وهم يشاهدون اجساد العائلة تشوى وهم على قيد الحياة، ويروي التفاصيل التي جمعت من روايات الشهود الذين ساقهم القدر ليكونوا شهودا على هذه الجريمة البشعة.

في الساعة الثانية من فجر الجمعة، صحا سعد على صوت طرق على نافذة غرفة النوم التي كانت العائلة تنام فيها، بادر سعد لفتح النافذة ليفاجأ بعدد من الملثمين يلقون باتجاهه مادة مشتعلة، وبسرعة البرق تهب النيران في جسد سعد وتنتشر داخل الغرفة.

ورغم ما اصابه من حروق، سارع سعد لحمل طفله الاكبر "أحمد" ذي الاربع سنوات، فيما قامت زوجته ريهام بحمل طفلها الرضيع "علي" ملفوفا ببطانية، وتوجها الى مدخل المنزل، وهناك كان بانتظارهم اثنان من المستوطنين والذين طرحوهما ارضا وسكبوا عليهما مادة مشتعلة ليحرقوهما مرتين.

كانت صرخات سعد وريهام كافية للفت انتباه الجيران، سارع فتى في الخامسة عشرة من عمره لنجدتهما دون ان يعلم بوجود المستوطنين، ولدى وصوله فوجئ بالمستوطنين يحيطون بالضحيتين ويطوفون حولهما في اجواء احتفالية، وبأيديهما اوعية تحتوي مواد مشتعلة.

كاد الفتى ان يكون الضحية الخامسة في "محرقة الجمعة" -كما يسميها اهالي دوما- لولا أنه تمكن من الافلات منهما والاستنجاد بشقيقه الذي كان خلفه، وعندما رآهما المستوطنون أسرعوا بالفرار من المكان من طريق ترابية تؤدي الى الشارع.

من حسن حظ الابن أحمد، رغم ما أصابه، أنه كان ما يزال داخل المنزل، ولم يقع بيد المستوطنين، وخرج بعد دقائق، ومع أنه مكث لوقت أطول داخل البيت، إلاّ أن حروقه كانت أخف من حروق والديه، اذ كانت حروقه بنسبة 60%، بينما حروق أمه 90%، وحروق أبيه 80%.

هول الصدمة

لم تنتهي المأساة عند فرار المستوطنين، فالام التي كانت تعتقد انها تمكنت من انقاذ رضيعها "علي"، تناست ما بها من حروق وكانت تسأل عن ابنها "أحمد"، لتكتشف أن ما تمسك به حقيقة هو بطانية فارغة، وليس بها علي، فأصيبت بانهيار عصبي من هول الصدمة.

ويشير نصر الى انهم حاولوا اخماد النيران داخل المنزل باستخدام خراطيم المياه، الا ان النيران كانت تزيد اشتعالا، فقرروا التوقف عن اخماد النيران بانتظار وصول طواقم الدفاع المدني الفلسطيني، ولم يستطع أحد الدخول الى داخل البيت بسبب شدة النيران، وعندما اخمدت النيران دخلوا للبيت ليجدوا الرضيع علي جثة متفحمة بالكامل.

ويضيف نصر أنه وعند حضوره تشريح جثة علي، وجد أن اجزاء من أطرافه غير موجودة، فقال للطبيب أنه يود البحث عنها في البيت المحروق وجمعها مع جثة الطفل لدفنها، إلاّ أن الطبيب أخبره أنه لن يجد هذه الأجزاء، لأنها ذابت من شدة الحريق، ولن يعثر لها على أثر، ويقول نصر: "نعم تحوّل عليّ عند إحراقه الى جثة ملتهبة، وذابت أطرافه".

مأساة حقيقية

حجم الفاجعة التي اصابت عائلة دوابشة لا تزال تؤثر نفسيا على افراد العائلة، ويقول نصر: "نعيش مأساة حقيقية في البيت، فزوجتي وابنائي باتوا يخشون الانتقال من غرفة لاخرى الا بوجودي، وزوجتي اصيبت بانهيار عصبي بعد الحادثة".

ويضيف: "أحاول ان ازيل الخوف من ابني، وأقنعه بانه لا يوجد ما يستدعي الخوف، فيرد علي بان عائلة عمه احترقت وهم ونيام داخل بيتهم".

ويقول ان صورة الطفل علي واحمد وسعد وزوجته تطرد النوم من عينيه كل يوم، ويضيف: "كلما ارد تان انام تحضر صورة اخي سعد الذي أكلت النيران جسده وتركت فيه جرحا غائرا".

وفي الوقت الذي تتضرع فيه عائلة دوابشة بالدعاء الى الله تعالى ان يشفي ابناءها الثلاثة، فانها تدعو الله ان تكون هذه المأساة آخر مآسي شعبها، وأن لا تتكرر مأساتها مع غيرها.

ارهاب دولة

اعتداءات المستوطنين لم تبدأ مع جريمة احراق عائلة دوابشة، فهي لم تتوقف ضد بلدة دوما كغيرها من القرى الفلسطينية، لا سيما في منطقة جنوب نابلس، ويشير نصر الى ان المستوطنين احرقوا السنة الماضية عددا من السيارات في البلدة، وقطعوا اشجار الزيتون عدة مرات، ولم تسلم منهم الاغنام والمواشي، وحاولوا احراق المسجد الكبير لولا يقظة الاهالي.

ويؤكد نصر ان بلدة دوما لا تعاني فقط من ارهاب المستوطنين، بل تتعرض لارهاب دولة يمارسه الاحتلال، فأي شخص يصل الى اراضيه الواقعة خلف الشارع الرئيس يتم اعتقاله والتنكيل به، ويقول نصر: "يمنعوننا من الوصول الى اراضينا.. انهم يمارسون ارهاب دولة ضدنا".