"أطفال" محمود شقير.. حالمون بالحرية والعدل والسلام ومليئون بالحيوية والإبهار

القدس- محمد زحايكة- يفسح الكاتب الكبير محمود شقير مجالاً مهماً لأدب الأطفال، ويفرد لهم مساحة رحبة للتعبير عن مكنونات أنفسهم الخفية وأحلامهم وتعبيراتهم العجيبة الذكية، وهو ما يمكننا ملاحظته في مجموعاته القصصية الثلاث للأطفال الصادرة عن "دار الياحور" للنشر والتوزيع في القدس- أبو ديس عام 2020، وهي: "حب الوطن" و"مغامرات مهدي وجمانة" و"الخالة مريم".

ويترك شقير أطفال قصصه على سجيتهم يُعبرون عن أحلامهم وتخيلاتهم العجيبة مع تدخل ذكي بين الفينة والأخرى لإيصال رسائله الثقافية التربوية في تنشئة أجيال واعية ومنتمية ومحبة لوطنها الذي يتعرض إلى النفي والاغتيال كل يوم.

ويستعير الكاتب كنايات وتعابير جميلة ذات مدلولات لصياغة وعي الأطفال مستوحاة من عالمهم المتخيل، مثل: صديقة الشمس وفرس الحقول التي تطير والقدس التي تسافر إلى كوكب بعيد.

ويريد الكاتب من وراء مجموعاته القصصية الثلاث أن يجعل أطفال فلسطين يتخاطرون مع أقرانهم في كل مكان من خلال صور حسية متخيلة كما في حالة "طيور السماء" التي تجسد أطفال غزة الشهداء الذين طاروا إلى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في مدينة القدس، التي حُرموا من زيارتها في الحياة الدنيا، وجاءوا من عالمهم الآخر لزيارتها.

والجميل في هذا النص الطفولي الموحي أنّ الكاتب لم يغفل زيارة كنيسة القيامة، في إشارة قوية إلى أن الشعب الفلسطيني هو واحد بجميع مكوناته وطوائفه، ولا يجوز التغاضي عن هذه الحقيقة إذا أردنا لأطفالنا أن ينشأوا مُحبين ومتفهمين للآخر المختلف.. فما بالك إذا كان هذا الآخر جزءاً لا يتجزأ من هوية الشعب الجمعية.

وتبرز قصة "كلنا شجر" في إيصال الغاية السامية النبيلة في تصوير الإنسان والشعب الفلسطيني بأنه عبارة عن أشجار مغروسة جذورها وضاربة في أعماق الأرض والتربة يصعب اقتلاعها ونفيها، مهما بلغت قوة الاحتلال والاستعمار العاتية.

ويوظف الكاتب حكاية "عهد التميمي" بصورة جميلة وتكريسها كقدوة للأطفال في الدفاع عن بستان أشجارها، وما ترمز إليه من التمسك بالأرض عنوان الوطن.

ولا ينسى الكاتب أن يغرس في وعي أطفال فلسطين قضية الأسرى، أولئك المناضلين على الخط الأمامي، وفي جحيم السجون، الذين يصارعون بأمعائهم الخاوية في معركة الإرادات لتثبيت حقهم وحق شعبهم في العيش بحرية وكرامة... فنرى الأطفال يرددون بحماسة كما الكبار: الحرية للأسرى والأسيرات.

وتستطرد القصص الطفولية الجميلة في تصوير "مشاغبات" الأطفال الجميلة في قصص "خروف مهدي وجداله مع جده الذي وصفه بأنه أرنب"، ليدور عتاب صامت، تارة،ً وصاخب، تارةً أُخرى، في قلب مهدي الصغير على غلطة جده. ثم تلوح تلك المرأة بذيل الذئب بعد أن طوحت به، فانقطع وتناثر قطعاً صغيرة في تحوير ذكي لقصة الأطفال العالمية المشهورة "ليلى الحمراء والذئب"، وكذلك قصة اللعب في مروج الثلج مع الخالة مريم، وكأن الكاتب يريد أن يؤكد لنا أن الطفل هو طفل في جميع أنحاء العالم، وعلينا أن نتفهم عالمه كما هو من خلال إتاحة الفرصة الكاملة له لممارسة ألعابه المرحة والاستماع إلى قصصه المتخيلة ليتفاعل بشقاوة مع دنياه البريئة المتخيلة الحالمة، ولا نفرض عليه أساليب فهمنا وطرقنا للحياة إلا بالقدر الذي يتيح له "الشبوب" على معرفة وحب رموز الخير والعدل والسلام ورفض الأشرار في هذا العالم.

وراعى الكاتب في قصصه دور الجدة والخالة في حياة الأطفال من خلال بناء سرد قصصي طفولي غاية في الجمال من حيث تصوير العلاقة بين الأطفال من ذكور وإناث على التساوي معهم.. في جدلية الحب والاحترام المتبادلين.

الإبحار في عالم الأطفال والطفولة فن سهل ممتنع. وهو يسجل للكاتب المبدع الذي ينوع في نتاجه وعطائه الأدبي، ويتيح له إيصال رسائله السامية الداعية إلى عالمٍ مُشرقٍ مليءٍ بالحب والعدل والخير والجمال.