قطعان الخنازير .. أداة المستوطنين الجديدة للاستيلاء على الأراضي الزراعية

5 آلاف خنزير تنتشر في الضفة وجدار الفصل والمستوطنات والطرق الالتفافية تُفاقم خطرها

الخنازير حيوانات شرسة والضبع المهدد بالانقراض عدوها ويُحافظ على توازن وجودها

حملة للتخلص من الخنازير بطرقٍ آمنة ودعواتٌ للتوعية بالحفاظ على الحياة البرية

سيارات عسكرية إسرائيلية تجلب الخنازير وتطلقها في الحقول وبين بيوت المواطنين

رام الله- تحقيق خاص بـ"القدس"دوت كوم- منذ أكثر من 15 عاماً والمواطنون يعانون من الأضرار التي تتسبب بها الخنازير البرية ، وتُخرّب مزروعاتهم، وتهدد حياتهم، حتى وصلت قرب منازلهم.

"القدس" دوت كوم التقت عديد المواطنين، خاصة في شمال الضفة الغربية ووسطها، حيث تكثر تلك الخنازير، ولا سيما في الأرياف، وطرحت معاناتهم وما يتكبدونه من أضرار، بل إن بعضهم أصبح يخشى على أطفاله من تلك الخنازير التي منعت التجوال في ساعات المساء.

إطلاق الخنازير في المناطق المحاذية للجدار والمستوطنات

يؤكد الأهالي، خاصةً في بعض قرى وبلدان شمال الضفة الغربية ووسطها، أنّ المستوطنين لهم دورٌ كبيرٌ في انتشار الخنازير، بهدف تهجير المزارعين من أراضيهم.

ويقول المزارع فضل التميمي: "إنّ عديد المواطنين شاهدوا شاحنات تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية تُفلت الخنازير في المناطق الحرجية من قرية دير نظام، وتأتي الخنازير بعد ذلك لتُدمر محاصيلنا، وآذت بعض الأهالي جسدياً، علاوةً على ما يقوم به المستوطنون أنفسهم من تدمير لمزروعاتنا".

أما المزارع مُنال زيدان، فيرى أن انتشار الخنازير فعل مخطط له من المستوطنين، فيطلقونها في المناطق المحاذية للجدار والمستوطنات.

ويرى المزارع أيوب أبو حجلة من بلدة دير استيا بمحافظة سلفيت، وهو يعمل في المركز الفلسطيني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية كذلك، أن مناشداتٍ أُطلقت على مدار 25 عاماً لمنع انتشار الخنازير البرية، مؤكداً في حديثٍ لـ"القدس" دوت كوم أنّ الأهالي شاهدوا شاحنات إسرائيلية تخرج منها خنازير باتجاه الغابات التي هي بيئة مناسبة لعيشها.

ويؤكد أبو حجلة أن المستوطنين يهدفون من إطلاق تلك الخنازير ليس للتخلص منها، بل من أجل أن تتكاثر وتزيد أضرارها، وبالتالي تسهيل السيطرة على الأراضي، فيما يستغل الاحتلال قوانين معينة للسيطرة على الأرض من خلال التذرع بترك الأراضي، في حين تكثر أضرار الخنازير في وادي قانا باعتبار أن الخنزير بريّ في الطبيعية، ويُمنع اعتراضه، ومَن يعترضه قد يتعرض للعقوبة.

أما رئيس مجلس قروي كفل حارس في محافظة سلفيت عصام أبو يعقوب، فيؤكد في حديث لـ"القدس" دوت كوم أنّ الخنازير بدأت بالانتشار بعد العام 2000، ويُمنع على أحد اعتراضها كحيوانٍ موجودٍ في الطبيعة، وبدأت بالتكاثر بأعداد كبيرة، واتسعت دائرة الضرر على المزارعين، إلى أن ترك الكثير من المزارعين زراعة أصناف كثيرة تأكلها الخنازير كالحمص والبازيلاء والقمح والشعير وأشجار التين والعنب، كما أنها تُخرّب أشتال الزيتون.

أبو يعقوب يؤكد أنه "تم التواصل مع جميع الجهات المعنية، وجرى سابقاً التنسيق من أجل قتلها بالرصاص، لكنّ الاحتلال منع ذلك لقرب بلدتنا كفل حارس من مستوطنة "أرائيل"، وجرت محاولات لتسميم تلك الخنازير من قبل المواطنين الذين يشترون السموم بالخفية لأنها ممنوعة، والتكاثر الكبير للخنازير يجعل من الصعوبة القضاء عليها، إذ إن الخنزيرة الواحدة تُنجب 13 خنزيراً، ويقلّ إنجابها كلما تقدمت بالعمر".

ويؤكد مؤسس الجمعية الفلسطينية للرفق بالحيوان أحمد صافي في حديث لـ"القدس" دوت كوم أن شهود عيان أفادوا بإعادة إطلاق الخنازير في البيئة الفلسطينية، لكن لم نستطع توثيق ذلك بوثائق مصورة، حيث يؤكد أولئك الشهود أن سيارات مدنية وعسكرية إسرائيلية تطلق الخنازير البرية في الأراضي الواقعة بمحاذاة جدار الفصل العنصري والمستوطنات.

ويشير صافي إلى أن الخنازير بدأت بالظهور في المناطق الزراعية في شمال الضفة إلى أن بدأت تظهر بكثرة منذ أكثر من 15 عاماً، من أجل تدمير المُزارع الفلسطيني، وبالتالي تدمير الاقتصاد ومنع الناس من الوصول إلى أراضيهم، لتسهل عمليات مصادرة الأراضي.

استخدام الخنازير البرية كوسيلة ضغط للاستيلاء على الأراضي الزراعية

يؤكد مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في شمال الضفة الغربية مراد اشتيوي في حديث لـ"القدس"دوت كوم، أن المستوطنين يستخدمون حرب الخنازير البرية ضد المواطنين، فجلبوها وأفلتوها في الأراضي، من أجل أن يتخلى المزارعون عن زراعتها، وهذا شكلٌ من أشكال الحرب، حيث تتلف الخنازير المحاصيل الزراعية، كالحبوب والخضروات، وتدمر أشتال الزيتون المزروعة حديثاً.

ويؤكد اشتيوي أنّ الكثير من المواطنين رووا أن سيارات إسرائيلية تنقل الخنازير ويتم إفلاتها في الأراضي لإفساد الحقول وتكبيد المواطنين خسائر فادحة، إذ إنّ عدداً من المزارعين اضطروا لترك أراضيهم والامتناع عن زراعتها لعدم توفر وسائل الوقاية الناجحة، فيما يمنع الاحتلال استيراد السموم الخاصة للتخلص من الخنازير.

ويشير اشتيوي إلى أن الهيئة تقدم بعض وسائل الوقاية من الخنازير، كتقديم السياح لتسييج الأراضي وتمويل شراء السموم، لكنها غير متوفرة بالأسواق، فيما يشير اشتيوي إلى أن القضية تعدت إيقاع الضرر بالمزروعات، وتسببت بوقوع ضحايا وإصابات وانتشرت داخل المخططات الهيكلية للقرى والمدن، فيما يؤكد اشتيوي أن مكافحة الخنازير أمر مهم، وتقع المسؤولية على عاتق كل قرية، فيما تعد أكثر المناطق تضرراً تلك الواقعة قرب المستوطنات والأراضي الزراعية الواقعة قرب بوابات جدار الفصل العنصري.

ويشدد رئيس وحدة العلاقات الدولية والعامة والإعلام في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان يونس عرار، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، على أن انتشار الخنازير جزء من وسائل الضغط وأحد أشكال الإرهاب التي يستخدمها الاحتلال لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم من خلال إطلاق قطعان الخنازير التي تهاجم المزروعات والمواطنين، مشيراً إلى أن الكثير من المواطنين شاهدوا سيارات إسرائيلية تطلق تلك الخنازير باتجاه أراضيهم.

تخريبٌ للمزروعات وخسائر فادحة للمزارعين

منذ سنتين اضطر المزارع فضل التميمي من قرية دير نظام، غربيّ رام الله، إلى ترك زراعة أرضه البالغة نحو 10 دونمات، والواقعة في الجهة الشمالية من القرية، بالرغم من أنه ورث زراعتها عن والده وجده، بسبب تخريب الخنازير القادمة من المستوطنات لمزروعاته، ما كبده خسائر فادحة، وقبل ترك زراعة الأرض حاول وضع سياح حولها وزراعتها بأشجار الزيتون، لكن دون جدوى، فالخنازير تهاجم أرضه وتكسر اشتال الزيتون.

ويقول التميمي في حديث لـ"القدس" دوت كوم إنه لاحظ الخنازير للمرة الأُولى في حياته في قريته دير نظام عام 1991، وصارت الأُمور تتطور حتى وصلت أعداد تلك الخنازير إلى قطعانٍ بالعشرات.

التميمي حاول تسميم تلك الخنازير لكن دون جدوى، وتقدم للجهات الرسمية بشكوى عبر وزارتي الزراعة والصحة وسلطة جودة البيئة، لكنهم أخبروه أنّ السموم انقطعت ومنعت سلطات الاحتلال دخولها.

أما المزارع مُنال زيدان من قرية رامين، جنوبيّ شرق طولكرم، فيقول لـ"القدس" دوت كوم: "سكنتُ في منزلي حديث الإنشاء عام 2016، وزرعت في حديقته 20 شجرة متنوعة وخضروات، واضطررت للزراعة 10 مرات، ولكن تأتي الخنازير في اليوم التالي وتخرب جميع مزروعاتي، صحيح أن السياج أو السور قد يقيني نوعاً ما من ضرر الخنازير، لكن ليست لدي إمكاناتٌ لذلك".

زيدان يؤكد أنه حينما يحاول طرد الخنازير من ساحة منزله فإنها تهاجمه، فالخنازير تأتي إلى رامين بكثرة وعددها بالمئات، خاصةً في الليل، ودمرت المزروعات، وتشكل خطراً على حياة الناس وممتلكاتهم، وتبث الرعب بين الأهالي، فيما يؤكد أن الأهالي تواصلوا مع عديد الوزارات والمؤسسات في محافظة طولكرم للمساعدة بمكافحة تلك الخنازير، ولم يتجاوب تجاوب سوى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بتقديم سياج وسموم.

زيدان يوضح أن الخنازير بدأت تظهر في رامين قبل 23 عاماً، وبدأت تخرب المزروعات والأشجار، ويوضح: "الخنزير يكسر الأشجار، ويأكل التين، ويحفر تحت الأشجار من أجل اصطياد الديدان".

أصناف من المحاصيل الزراعية فُقدت في قلقيلية بسبب الخنازير

وبسبب انتشار الخنازير، فإن بعض الأصناف الزراعية فُقدت في بعض مناطق قلقيلية، حيث يوضح أيوب أبو حجلة، من المركز الفلسطيني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، أن بعض الأصناف في قلقيلية فُقدت بسبب الخنازير، فيما تكبّد المُزارع كلفةً إضافيةً مثل تسييج المزروعات أو إقامة أسوار حولها.

ويوضح أبو حجلة أنه من المحاصيل التي فقدت المحاصيل الحقلية، علاوة على أن الخنازير دمرت السلاسل الحجرية، فيما تدمر الأراضي المزروعة بالزيتون في فصل الصيف حينما تكون تبحث عن الماء لأجل أن تشرب، وهي كذلك تحفر أسفل الأشجار بحثاً عن الديدان، إحدى أطعمة الخنزير المفضلة.

تهديد حياة الناس وإصابات وإعاقات وفرض حظر للتجوال..!

ما زال المواطن جواد غزال من بلدة سبسطية، شماليّ نابلس، في حديث لـ"القدس" دوت كوم، يتذكّر حادثة مقتل والده المسن حينما ضربه خنزير بري عام 2005، ما أدى إلى وفاته بعد دقائق من وصوله إلى المستشفى، أما جواد فأُصيب بجروح بالغة.

يقول جواد: "كنت أنا ووالدي نقطف ثمار الزيتون، وكان هناك مستوطنون يقتحمون الأماكن الأثرية، كنا منهمكين بقطف ثمار الزيتون أنا ووالدي، فجأة حضرت سيارة إسرائيلية أنزلت خنزيراً برياً وأطلقته باتجاهنا، الخنزير هاجم والدي، حاولتُ إنقاذ والدي وضرب الخنزير بالعصا، لكنه هاجمني أنا أيضاً وضربني في فخذي، أما والدي الذي كان يبلغ من العمر 84 عاماً حينها فأُصيب في ظهره وقدمه، حيث إن الخنزير يغرس نابه الذي يبلغ طوله 8 سم في الأماكن التي يصلها".

ويضيف: "كان جنود الاحتلال على بُعد أمتارٍ منا وشاهدونا، لكنهم كانوا يضحكون وهم يشاهدوننا، انطلقتُ بسرعةٍ إلى الشارع الرئيسي فجاءت سيارة إسعاف ونقلتنا إلى المستشفى، وحين الوصول توفي والدي بعد دقائق".

في قرية دير نظام بمحافظة رام الله والبيرة، هاجمت الخنازير البرية المواطن عبد الغني التميمي قبل ست سنوات حينما كان يتنزه في أراضي القرية، وضربته في كتفه وصدره وفخذه، وسببت له ضرراً حركياً، ما اضطره إلى ترك وظيفته، يوضح صهره فضل التميمي.

وهاجمت الخنازير البرية ثلاثة مواطنين في قرية دير استيا في محافظة سلفيت خلال السنوات الماضية، يوضح المزارع أيوب أبو حجلة، مشيراً إلى أن "أُنثى الخنزير هاجمت امرأة من البلدة حينما رأتها وأمسكتها من رجلها وسلخت جزءاً من لحم رجلها، وأُجريت لها عمليات تجميل عديدة بسبب ذلك، حيث تظن أنثى الخنزير أن من تشاهده يريد أخذ صغارها منها".

ويوضح أبو حجلة أن الأهالي الآن أصبحوا يرون الخنازير بين منازلهم، فقبل عشر سنوات كانت الخنازير تعيش في البراري، أما الآن فتوجد بين المنازل وأحياناً في ساعات النهار، وأصبحت تألف الناس، وهو أمرٌ يُشكل خطورةً على حياة الأهالي، فالخنزير إن تضايق يؤذي، خاصةً أُنثى الخنزير التي تريد أن تدافع عن صغارها، "لقد أصبحنا نخشى على أطفالنا، وقلَّت حركتهم، وحينما يريدون التنقل نذهب معهم".

ويشير أبو حجلة إلى أنه قبل سنوات اشترى سموماً من أجل القضاء على الخنازير، لكنّ الإسرائيليين منعوها، ويقول: "إنهم لا يريدون القضاء عليها، الآن توجد مشكلة حقيقية، إذا لم تتم مكافحة الخنازير بجهود جماعية وبمساندة كافة الوزارات فإن خطراً حقيقياً يهدد المواطنين، فهي تتكاثر بشكل جنوني"، فيما يشير إلى وجود جهود فردية للقضاء على ظاهرة انتشار الخنازير، لكن ذلك غير مجدٍ ولا يحل المشكلة".

أما في بلدة كفل حارس، فإن رئيس مجلسها عصام أبو يعقوب يشير إلى أن أحد المواطنين أُصيب قبل عدة سنوات من قبل خنزير هاجمه وانتزع جزءاً من لحم فخذه، "الآن تجد الخنازير في داخل القرية بعد منتصف الليل تأتي إلى حاويات القمامة، إضافة إلى أنها مؤذية، وحين تكون على الشوارع الرئيسية فإنها قد تتسبب بحوادث سير مميتة".

وفي قرية دير نظام، يوضح عضو المجلس القروي منجد التميمي في حديث لـ"القدس" دوت كوم أن الخنازير كانت سبباً في إتلاف محاصيل القمح والشعير والخضار الصيفية، وكانت سبباً في تهجير المُزارع من أرضه، مشيراً إلى أنه قبل العام 1998 لم تكن الخنازير بهذه الكثرة، ولاحظ الأهالي أن المستوطنين يُفلتون الخنازير في المناطق الحرجية في القرية.

ويتابع: "حينما تدخل الخنازير القرية، فإنها تشكل خطراً حقيقياً على الأهالي، إذ أُصيب قبل سنوات أحد المواطنين، إذ ضربه خنزير على صدره وكسر قفصه الصدري ولديه عجز، وما زال يعاني، القرية عانت من الخنازير كثيراً، وتوجهنا لوزارة الزراعة من أجل حل الإشكالية، وأخبرونا أنه لا توجد لديهم إمكاناتٌ لمكافحتها".

أكثر من ألف خنزير في محيط سبسطية

في بلدة سبسطية تكاثرت الخنازير البرية، وهي خطرة على حياة المواطنين، ويوضح رئيس بلدية سبسطية محمد عازم، في حديثه لـ"القدس" دوت كوم، أنه يوجد خلف مستوطنة "شافي شمرون" منطقة لتصريف مياه الصرف الصحي من المستوطنة إلى الأراضي، وهي منطقة لتجمُّع الخنازير التي تنطلق باتجاه سبسطية، وتُشكّل خطورةً كبيرةً على الأهالي، ما يُهدد حياتهم، وفي أكثر من مرة كادت تودي بحياة بعض المواطنين لولا يقظة الأهالي.

يقول عازم: "حاولنا التواصل مع الارتباط من أجل الحد من انتشار الخنازير، لكن الإسرائيليين كانوا يرفضون، الهدف من ذلك هو إبعاد الناس عن أراضيهم الواقعة بمحاذاة المستوطنة، والبالغة مساحتها نحو ألف دونم".

ويشير رئيس بلدية سبسطية إلى أن الخنازير حينما تكون قريبةً من البلدة تُشكل حالة خوف ورعب للأهالي، وبشكلٍ خاصٍّ الأطفال، "فالخنزير قد يهاجم في أيّ لحظة ولا تعرف موعد خروجه، وحركته، لكن حركة الخنازير عادةً في الفترة المسائية، ما يسبب ذعراً للأطفال ويخلق حالةً أشبه بمنع التجوال، أما المزارعون فلا يخرجون وحدهم، ويكونون في جماعات، فهذه المشكلة بحاجةٍ إلى تكاتفٍ كبير".

وحاول أهالي سبسطية مكافحة الخنازير، حيث قتلوا 150 خنزيراً العام الماضي، وحاولوا التواصل مع وزارة الصحة ووزارة الزراعة للحصول على سموم، لكنّ الإسرائيليين يمنعونها، لأنها شديدة السمومية، فيما الأعداد الموجودة كبيرة، والخنازير تتكاثر بسرعة، وهي قد تصل إلى أكثر من ألف خنزير في محيط مستوطنة "شافي شمرون" وبلدة سبسطية، وتلك الخنازير لا تهاجم المستوطنات لوجود جدار وسياج، وامتدادها باتجاه البلدة، يوضح رئيس بلدية سبسطية محمد عازم.

الضبع يقتل الخنازير ويُحافظ على التوازن الطبيعي.. لكنه مهدد بالانقراض!

ما تعانيه الطبيعة في فلسطين أنّ الضبع مهدد بالانقراض نتيجة التصرفات الخاطئة تجاهه وقتله، حيث يوضح مؤسس الجمعية الفلسطينية للرفق بالحيوان أحمد صافي أنّ ما تعانيه البيئة الفلسطينية حالياً هو النقص في أعداد الضباع التي تُعدّ مفترساً طبيعياً للخنازير، وتحافظ على توازن وجودها بشكلٍ طبيعي.

ويشير صافي إلى أن الخنازير تكاثرها سريع وبشكلٍ كبير، ومن الصعب السيطرة على تكاثرها، وعدم وجود مفترسٍ يجعلها فوق الحد الطبيعي، "لذا ندعو إلى ترك الضباع بحالها في البرية، فهي غير مؤذية، ولا تشكل خطراً على حياة الناس بعكس الفكر السائد عنها، ووجودها جزء من التنوع الحيوي في فلسطين، بتصرفاتنا آذينا التوازن الطبيعي للضباع، وتم الإخلال بذلك التوازن الذي يعد حالة قتل طبيعية للخنازير".

وللتخلص من الأعداد الكبيرة من الخنازير، فإن صافي يؤكد أنه ليس مع تسميمها، لأن التسميم قد يؤذي حيواناتٍ أُخرى، وأصبحت الحلول حالياً صعبة، وزاد تكاثر الخنازير، لأن جدار الفصل العنصري والسياج حصر وجود الحيوانات في منطقة واحدة باتجاهنا.

من ناحيته، يؤكد المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية عماد الأطرش، في حديثٍ لـ"القدس" دوت كوم، أنّ أعداد الضباع قلت هذه الأيام، ويومياً تُقتل ضباع، حيث يُقتل ما بين ضبعٍ واحدٍ إلى ثلاثة ضباع، ويوجد لدينا في الضفة الغربية 300 ضبع، مشيراً إلى أن الضبع غير مؤذٍ للإنسان.

ويوضح مدير عام المصادر البيئية في سلطة جودة البيئة د.عيسى موسى، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، أن الله أوجد في الكون لكل كائن عدواً طبيعياً ضمن التوازن الطبيعي حيث يحد من تكاثره، وعبر التاريخ فإن الخنازير موجودة في الأغوار الفلسطينية، لكن في الآونة الأخيرة زادت أعدادها، والعدو الطبيعي للخنازير هو الضبع الذي يحدُّ من تكاثرها، لكنّ العادات الخاطئة تجاه الضباع أدت إلى تقلُّص أعدادها.

ويقول: الضبع كائنٌ مفترس، ويهاجم الخنزير ويقتله، وهو يخاف من الإنسان، وبعكس الأساطير السائدة التي تتحدث عن أن الضبع يضبع الإنسان ويركب على ظهره، فهذه لا أساس لها من الصحة، فالضبع لا يهاجم الإنسان عادةً، إلا في حالات مضايقة الإنسان وتعرضه له، فيدافع الضبع عن نفسه.

ويؤكد موسى أن الضبع آكل للجيف ويقتل الخنزير ويفترسه، لكن للأسف الشديد هناك حالات اعتداء كثيرة على الضباع خلال الفترة الماضية، ويتم قتلها أو أذيّتها، واكتشفنا عدة حالات اصطياد ضباع، وصادرناها وعالجناها، وأعدنا إطلاقها في الطبيعة، بالتعاون مع الجهات المختصة.

محاولات للتوعية بالحفاظ على الحياة البرية

يؤكد مدير عام المصادر البيئية في سلطة جودة البيئة د.عيسى موسى أنّ سلطة جودة البيئة تعمل على التوعية بأهمية الحفاظ على الحياة البرية، عبر الإدارة العامة للتوعية والتعليم البيئي في سلطة جودة البيئة، من أجل الوصول إلى أكبر شريحةٍ من المجتمع الفلسطيني، خاصةً في الجامعات والأندية النسوية والمدارس.

ووفق موسى، فإنه يوجد حالياً 1700 نادٍ بيئيٍّ في المدارس للتوعية بأهمية الحفاظ على الحياة البرية، خاصةً تلك المهددة بالانقراض، كغزال الجبل الفلسطيني والضباع، لذا يتم الحديث عن أهمية التنوع الحيوي، ويتم الحديث عن الضباع ودورها الإيجابي في التخلص من القاذورات والجيف وغير ذلك.

التوازن الطبيعي للخنازير

من المهم أن تتم المحافظة على توازن الخنازير لتكون أعدادها ضمن المعدل الطبيعي، حيث يؤكد مدير عام المصادر البيئية في سلطة جودة البيئة د.عيسى موسى أنه يتم اللجوء للتخلص من الخنازير إذا زاد عددها عن القدرة التحملية للطبيعة وفي حال عدم وجود قاتل طبيعي لها، فالأصل العمل على التقليل من أعدادها عبر قتلها قتلاً رحيماً من قبل الجهات المختصة، وأن لا تؤدي إلى تلوث بيئي بعد نفوقها.

ويشير موسى إلى أن الصيد بشكلٍ عامٍّ مسموح به، لكن يُمنع الصيد حال وجود خطر يهدد نوعاً معيناً من الحيوانات، كالغزلان التي عددها أقل من العدد المسموح به.

ويشدد موسى على أن دور سلطة جودة البيئة هو تشريعي ووضع سياسات واستراتيجيات، وليس دوراً تنفيذيّاً، حيث تحدد سلطة جودة البيئة أن الحيوانات الموجودة ضمن المعدل الطبيعي أم لا، وإن زادت الأعداد عن الحد الطبيعي يُسمح الصيد.

قديماً كانت الخنازير موجودة في الأغوار وموزعةً بشكلٍ طبيعيٍّ على مناطق الضفة الغربية، لكن بسبب التغيرات المناخية وجدار الفصل العنصري انحصرت الخنازير في منطقة محددة، وتوجد حالياً في الأغوار شماليّ الضفة الغربية وشرقيّها وفي بعض قرى رام الله، وبحسب إفادات المواطنين فإن الاحتلال يعمل على إطلاقها في الأراضي الزراعية لتخريب المزروعات.

من جانبه، يوضح مدير دائرة البيئة الطبيعية في وزارة الزراعة ثائر رابي، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، أنه يوجد في الضفة الغربية على الأقل 5 آلاف خنزير بري، والأصل أن تكون ألف خنزير فقط، ولو كانت المناطق مفتوحة دون جدار الفصل العنصريّ لقل خطرها، علاوةً على أن المفترس الطبيعي للخنازير، وهي الضباع، قد تقلصت أعدادها، فيوجد حالياً في الضفة الغربية 20 زوج ضباع في الطبيعة، والأصل أن تكون 200 ضبع على الأقل.

أسباب انتشار الخنازير وطرق التخلص منها

يُرجع المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية عماد الأطرش أسباب انتشار الخنازير في الضفة الغربية إلى أسبابٍ عدة: كثرة توالدها، ووجود النفايات العشوائية المتراكمة في الأراضي الزراعية، وقلة الجدران الاستنادية المحصنة من الجانب الطبيعي، علاوة على وجود الطرق الالتفافية والمستعمرات والجدار، ما أدى إلى انحسار الخنازير في الضفة الغربية، مشيراً إلى أن الجمعية لم توثق أنّ سبب انتشار الخنازير بسبب المستوطنين، لكن وجودها قرب المستعمرات الإسرائيلية لوجود المجاري.

والخنازير المنتشرة في الضفة الغربية هي برية وموجود في مختلف مناطق الضفة. ويوجَد هناك نوع آخر هو خنزير المزارع، ويوجد في مناطق محصورة في الضفة، ولا توجد إحصاءات حول أعداد الخنازير في الضفة الغربية، ويتصف الخنزير بأنه مهاجمٌ بشكل كبير، ويهاجم أي شيء أمامه بشكل مباشر وباتجاه واحد حينما يرى الإنسان، وحين تحدث المهاجمة تكون مواجهة عنيفة مع الإنسان، فهو من أشرس الحيوانات وعدوانيٌّ بالأصل، علاوةً على أن الخنزير نباتي ولم تسجل إلا في حالات نادرة أنه يأكل اللحوم، يوضح الأطرش.

ويدعو الأطرش إلى اتباع خطواتٍ مهمةٍ من أجل الحد من ظاهرة انتشار الخنازير البرية وتقليلها في الطبيعة، أهمها بناء سلاسل بشكلٍ جيد، وتنظيف القمامة والتخلص من مياه المجاري، فيما يؤكد ضرورة منع تسميم الخنازير منعاً باتاً، لكنه يرى أن إجراء عمليات جراحية لاستئصال الأعضاء الجنسية للذكر والأنثى حلٌّ ممكنٌ، لكنه مكلفٌ جداً، وبحاجةٍ إلى جهدٍ عالٍ، وقد يتم وضع المصائد للخنازير لاصطيادها وقتلها ثم دفنها، وهو أمرٌ مهمٌّ لعدم تلوث البيئة وانتشار الأمراض، أو وضعها بمزارع خاصة، لكن تبقى تلك الخنازير شرسة، كما يؤكد الأطرش ضرورة التوازن الطبيعي بعدم قتل الضباع كقاتل طبيعي للخنازير.

مدير دائرة البيئة الطبيعية في وزارة الزراعة ثائر رابي يؤكد أن الخنازير البرية تتواجد في أماكن نفوق الدجاج ورمي جِيَف الحيوانات، وفي مناطق رمي النفايات والمسالخ ومناطق المياه العادمة، والأصل أن نعمل على تجفيف منابع غذاء الخنازير، حتى لا تصبح تلك الأماكن مأوى لها، فيما يشدد رابي على أهمية إبلاغ مديريات الزراعة المنتشرة في المحافظات، أو إبلاغ الشرطة في حال وجود خنازير لتجنب خطرها.

أما مدير عام الخدمات البيطرية د. إياد العدرة، فإنه يوضح في حديث لـ"القدس"دوت كوم أنه قبل عام 2005 كانت الوزارة تتخلص من الخنازير عبر السموم المستوردة من إسرائيل والخاصة بمكافحة الحيوانات الضالة، لكن إسرائيل منعتها، علاوة على أن جمعيات الرفق بالحيوان احتجت على تلك السموم، لأنها كانت تفتك بحيواناتٍ أُخرى.

ويقول العدرة: "هناك طرق رحيمة للتخلص من الخنازير عبر إفقادها القدرة على التكاثر وتجميعها بمأوى، وهذه الأمور غير موجودة كثقافة لدينا، ونحن غير مهيئين للتعامل مع هذه المعايير".

حملة للتخلص من الخنازير بطرقٍ آمنة

يؤكد مدير دائرة البيئة الطبيعية في وزارة الزراعة ثائر رابي أن "الخنزير البري موجود في طبيعة فلسطين بشكل طبيعي، لكن في الآونة الأخيرة وبسبب جدار الفصل العنصري وإغلاق حركة الحيوانات تزايدت أعداد الخنازير البرية، وهو أمر دفع وزارة الزراعة قبل سنوات إلى الإعلان عنها كآفة، وبدأت العمل على تقليل أعدادها في الطبيعة ضمن خطة، لكن إسرائيل منعت المبيدات بسبب أنها تقتل حيوانات أخرى، علاوة على أننا أيضاً لا نوصي باستخدامها".

ووفق رابي، يتركز تواجد الحنازير البرية حالياً في شمال الضفة وشرقها ووسطها، أما في جنوب الضفة فإن الأعداد قليلة لأن المجال أمام الخنازير مفتوح أكثر.

ويوضح رابي أنه توجد لجنة من وزارة الزراعة والارتباط والشرطة أطلقت قبل 3 سنوات حملةً وطنيةً لمكافحة الخنازير بإطلاق النار عليها من قبل طاقم شرطة مدرب ومتخصص عبر بنادق مخصصة للصيد، ونجحت الحملة في التخلص من بعض الخنازير في طولكرم، وحينما حاولت الحملة الوصول إلى منطقة سلفيت تم منعها من الاحتلال الإسرائيلي لقربها من المستوطنات.

ويشير رابي إلى أن الحملة واجهتها مشكلة قلة طلقات الصيد الموجودة، وعددها ألف طلقة، وحاولت الحملة جلب مزيد منها، لكن التنسيق مع الجانب الإسرائيلي متوقف نظراً للوضع السياسي الراهن، إذ إن الحملة بحاجة إلى 10 آلاف طلقة صيد نارية على الأقل لمكافحة الخنازير.

ويشدد رابي على ضرورة دفن الخنازير في باطن الأرض بعد قتلها، حيث يتم إبلاغ المجالس القروية والمحلية بضرورة التخلص منها عبر الحفر لها بجرافة ودفنها في باطن الأرض.