السلام مقابل الاقتصاد... الخطة الإسرائيلية التي تبناها ترامب

بقلم: الدكتور عامر الهزيل

البداية كانت مع تصريح دونالد ترامب بعد انتخابه عام 2016، حين قال إنني سأكون سعيدا إذا ما استطعت صنع السلام بين إسرائيل والفلسطينيين؛ معلنا أنه سيضم صهره جاريد كوشنر لطاقم المفاوضات، المكون من مبعوثه إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، والسفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، وكلهم يهود من غلاة اليمين.

ذهبت الصحافة بالأمر إلى حد الفكاهة، وأطلقت على هذا التوجه "صفقة القرن"، تقفيا بأحداث فيلم كوميدي يحكي قصة عصابة تجار سلاح تحاول بيع الأسلحة في جنوب أميركا تحت غطاء أسم صانعي السلام (peace maker).

وخلال لقاء الرئيس محمود عباس، بالرئيس ترامب يوم 20.9.2017، استخدم الرئيس عباس المصطلح مشيدا بالرئيس الأميركي بقوله "تعكس الخطة جدية فخامة الرئيس الذي يصبو لتطبيق صفقة القرن في الشرق الأوسط خلال العام أو الأشهر المقبلة".

ووفقا لتقارير صحافية، استمع أبو مازن لوعود اعتبرها بمثابة أساس منطقي للحل، وكان مستعدا للتماشي مع ما سمع ومعه السعودية، بشرط إعلان إسرائيل المسبق بالتزامها بتنفيذ بنود الاتفاق. إسرائيل رفضت التعاطي مع ما أرضى عباس، وكذلك شرطه المسبق، مما دفع ترامب إلى التراجع عن هذا التوجه، فاتحا المجال لطاقم المفاوضات لإعداد خطة بديلة بمشاركة طاقم إسرائيلي يرأسه السفير في واشنطن رون درمر.

أطلق على الخطة في حينه "الخطة الأيديولوجية"، المنسجمة تماما مع توجه بنيامين نتنياهو بشأن "السلام الاقتصادي"، الذي أعلن عنه عام 2008، وتناوله في العام 2017 مركز أبحاث الأمن القومي لخطة ودراسة كاملة متكاملة تحت عنوان "مشكلة اللاجئين الفلسطينيين والمصلحة الإسرائيلية".

في الصفحة الأولى اقتبست الدراسة قول نتنياهو: "يرتكز السلام الاقتصادي إلى قوتين - الأمن الإسرائيلي وقوى السوق. ليس الحديث عن مبادرات ودعم أموال للبيروقراطية الفلسطينية التي تضخمت منذ أوسلو. يجب علينا خلق جزر من الازدهار الاقتصادي وقواعد من الأمل بديلا للإسلام المتطرف".

وفقا لنتنياهو ومعه مركز الدراسات للأمن القومي، وفي غياب أفق الحل السياسي، فإنه من مصلحة إسرائيل السياسية والاقتصادية تطوير الاقتصاد الفلسطيني والبنى التحتية، خصوصا في الضفة الغربية، وخلق ظروف رفاهية في حياة الفلسطينيين، الأمر الذي تستطيع إسرائيل ومن يدعمها تنفيذه على الأرض، دون الحاجة لموافقة السلطة الفلسطينية أو حتى التنسيق معها".

خطة السلام الاقتصادي وفقا لأصحابها، رأت في حل مشكلة اللاجئين أهم أهدافها، موصية بحل "الأونروا"، التي تمول بقاء واستمرار حالة اللاجئين، بحسبهم، مع كل ما تحمل هذه الحالة من أسباب الثورة والعداء لإسرائيل وكل من يتغاضى عنها.

من أجل تنفيذ الخطة/ الدراسة على إسرائيل اتباع الخطوات التالية، خصوصا في الضفة الغربية:

1. تغيير السياسة الإسرائيلية بما يخص تخصيص وتطوير الأراضي التي لا تتبع للمستوطنات، التي تنوي إسرائيل ضمها في المناطق المصنفة "ج".

2. وضع خطط تطوير سريعة التنفيذ على المستوى المحلي واللوائي في الضفة الغربية، هدفها الربط بين مناطق "أ" و"ب" و"ج"، مع التركيز على مشاريع ضخمة للسكن والبنى التحتية.

3. إيجاد قواعد عمل مشتركة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

4. ملاءمة نظام الجمارك والضرائب وسياسة التصدير. وعليه يجب مناقشة اتفاق باريس بما يخدم ذلك.

5. دعم مؤسسات السلطة الفلسطينية والسلطات المحلية.

الخطة/ الدراسة توصي بتطوير غزة بالارتكاز على جهاز Gaza Reconstruction Mechanism (GRM) ، الذي تشارك فيه إسرائيل.

كل هذا التطوير يجب أن يساهم في حل مشكلة اللاجئين داخل الضفة وغزة والشتات، بما لا يهدد أمن إسرائيل ووجودها، ويجعل من حل الصراع هدفا إستراتيجيا مشتركا للطرفين، وفق قاعدة "وين وين". وعليه، أولت الخطة جل اهتمامها لحل المشكلة وفق تصور السلام الاقتصادي.

هنا تركز الخطة/ الدراسة على عدة أبعاد، منها الجانب الرمزي للعودة، التعويض والتأهيل، على أن يكون الحل في الضفة والقطاع مع تأكيدهم على أن 40% من اللاجئين يعيشون اليوم في الضفة والقطاع. في غزة 1.2 مليون لاجئ من أصل مليون و730 ألف شخص تقريبا؛ وفي الضفة 820 ألفا من أصل مليونين و750 ألف شخص تقريبا، بحسب دائرة الإحصاء الفلسطيني لعام 2013.

على المستوى العملي تطرح الخطة عدة حلول للاجئين خارج فلسطين. منها:

1. العودة إلى الضفة والقطاع.

2. التأهيل لكل من يقرر البقاء في الدولة المستضيفة.

3. مساعدات لمن يريد أن يهاجر لدولة ثالثة.

4. التعويض لكل اللاجئين على ما فقدوه من أرض وبيت وأيضا معاناة.

من سيعود بحسب أحد خيارات الخطة/ الدراسة اعتمادا على معطيات مجموعة Aix لحل الصراع، وهي مجموعة باحثين، وخصوصا خبراء اقتصاد:

إلى أين سيعودون باعتماد الخطة على بحث د. خليل شقاقي (PSR) لمواقف اللاجئين؟

حيز التخطيط والتنفيذ لاستيعاب اللاجئين وفقا للخطة:

1. الخطة تعتمد على مسح قام به صندوق النقد الدولي من خلاله عين المناطق التي يمكن تطويرها مشيرا إلى عدة مسارات:

2. توسيع تسعة مدن أو قرى هي: جنين، نابلس، طولكرم وطوباس في شمالي الضفة؛ الجفتلك وأريحا شرقا؛ البيرة وبيت لحم في وسط الضفة؛ والخليل في الجنوب.

3. إقامة مدن بجانب مدن قائمة مثل بيتونيا غرب رام الله وترقوميا غرب الخليل.

4. فحص إمكانية إقامة مدن جديدة في شمالي غور الأردن، في منطقة اللطرون وجنوبي غزة بجانب مطار رفح المخطط له.

قدرة الاستيعاب كما تذكرها الخطة/ الدراسة: تؤكد الخطة/ الدراسة أن الاقتصاد المزدهر والنامي وحل مشكلة اللاجئين هو من مصلحة إسرائيل اقتصاديا وسياسيا. هذا زبدة ما قاله نتنياهو في طرحه لمشروع السلام الاقتصادي لخلق بديل عنوانه الأمل، الازدهار وحياة الرفاهية.

بحسب الخطة/ الدراسة ونتنياهو، والمهم فيها، أن تنفيذها لا يشترط وجود شريك فلسطيني مع أن الخطة تفضل موافقة وشراكة السلطة الفلسطينية، ولكنها تستبعد ذلك في المراحل الأولى.

الميزانيات المطلوبة لحل مشكلة اللاجئين بحسب الخطة، بالمليار دولار: وفقا للخطة، يجب إعداد البنى التحتية والسكن لما يتراوح ما بين 750 ألفا إلى مليون ونصف لاجئ عائد، بالإضافة لمن يعيشون في الضفة والقطاع. وتؤكد الخطة أنه لا بد من تطوير أراض في المناطق "أ" و"ب"، كذلك الأراضي المتبقية في منطقة "ج" بعد ضم الكتل الاستيطانية إلى إسرائيل، والذي تعهد به نتنياهو في الحملة الانتخابية، وبحسب كل المؤشرات، فقد منحه ترامب الضوء الأخضر لفعل ذلك.

يذكر أن منطقة "ج" هي المنطقة الوحيدة مع تواصل جغرافي فلسطيني، وتوجد فيها 125 مستوطنة وكذلك ما تسمى "نقاط سيطرة". في هذه المنطقة تمر الشوارع الرئيسية وتضم معظم منطقة غور الأردن.

وحتى عام 2017 سكنها 413,400 مستوطن من دون القدس، بحسب المعطيات الإسرائيلية، وكل هذا التواجد يمتد على 2.1 مليون دونم، غير أن مناطق النفوذ للمجالس الإقليمية لهذه المستوطنات تسيطر على 63% من الأرض، بالإضافة إلى أن 1.3 مليون دونم أعلن عنها كأرض دولة.

يشار هنا إلى أن إسرائيل لم تتيح الحق للفلسطينيين في استغلال أراضيهم للبناء مثلا، إلا في 8700 دونم منذ عام 1967، رغم أن منطقة "ج" تشكل 60% من أراضي الضفة الغربية.

وتوصي الخطة بتحويل شارع 60 لـ"اوتستراد" مثل شارع 6 في إسرائيل (شارع عابر إسرائيل)، كذلك تغطية الضفة بشبكة قطارات، وإذا تعذر ذلك فليكن على طول شارع 60.

وتتحدث الخطة عن تطوير الشوارع التي تصل بين القدس الشرقية وبيت لحم، بين نابلس وجنين وبين يطا وبيت لحم. كما توصي الخطة ببناء محطة طاقة ضخمه بالقرب من رام الله، وبناء شبكة فنادق ومطار على خط البحر الميت قرب أريحا، وغيرها من مشاريع.

السلام الاقتصادي بهذه التفاصيل أو اقل منها، أطلق عليه كما ذكر أعلاه "الخطة الأيديولوجية"، وهي التي أقرها ترامب مع إعفاء إسرائيل من تمويلها.

فوفقا لتوجه ترامب، ستمول دول الخليج 70% منها، أما الولايات المتحدثة فستمول 20%، والاتحاد الأوروبي وغيره سيمولون 10%.

في هذا السياق يفهم انعقاد مؤتمر المنامة الاقتصادي الشهر المقبل بمشاركة خليجية، كخطوة أولى في سبيل التنفيذ. وليس من باب العبث لم يضغط على السلطة الفلسطينية للمشاركة، لأنهم ليس بحاجة لها للتنفيذ، أو أن يتم ذلك من وراء الكواليس، مثل مثلنا الشعبي القائل "مكمن ومغير".

الولايات المتحدة مع حكم ذاتي يعطي السلطة الفلسطينية رمزية السيادة، ولإسرائيل القوة والأمن وحدودها نهر الأردن. هكذا تحقق إسرائيل أهداف خطة السلام مقابل الاقتصاد، كما يفهمها نتنياهو، إذ "يرتكز السلام الاقتصادي على قوتين – الأمن الإسرائيلي وقوى السوق". وبدوره نقلها لترامب، وهذا الأخير يريد فرضها وأول من تجاوب معه بعض دول الخليج والخافي أعظم.

غدًا، يذوب الثلج ويبان المرج، كما يقول مثلنا الشعبي.

عن "عرب ٤٨"