ثورة ضد العنف فمن يقودها؟

بقلم: عوض عبد الفتاح

بدا الأسبوع الماضي وكأننا على أعتاب "ثورة" عارمة ضد العنف الداخلي المنفلت في مجتمعنا الفلسطيني داخل الخط الأخضر. صرخات الناس تدوي في كل مكان، ليس في الشارع ولكن في البيوت، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، وليس في الميادين، وفِي اجتماعات بعض اللجان الشعبية، وليس في الطرقات الرئيسيّة.

أمّا ما زاد هذا المشهد المكرّر، فهو التئام لجنة المتابعة إثر موجة العنف الأخيرة، والخروج بحزمة كبيرة من القرارات، متبوعة بتصريحات نارية من رئيس لجنة المتابعة، السيد محمد بركة، وأعضاء كنيست وممثلي جمهور تدعو القرى والبلدات العربية إلى تشكيل لجان شعبية وأطر مهنية لمحاربة الجريمة، دون أن يخطر على بالهم أن موقعهم يقتضي أن يكونوا في مقدمة العمل على بناء هذه الأطر، بعد أن يخرجوا من الاجتماعات المتكررة، سواءً في لجنة المتابعة أو في الكنيست أو في المجالس المحلية.

وهذا المطلب، المطلوب منذ سنين، ينطبق، أيضًا، على العمل من أجل تنظيم المجتمع في مواجهة مخططات تدمير البنية التحتية الشاملة لمجتمعنا الفلسطيني، المتمثّلة في نهب الأرض وتجريدنا من الزراعة، وهدم بيوتنا ومحاصرة قرانا ومدننا وإفقار الناس والعمال.

لا نشكك في صدق الكثير من هذه الأصوات، التي تعبّر، أولًا، عن مشاعر الغضب ضد الشرطة والتعاطف مع أهالي الضحايا، ونحن في الواقع، جميعًا ضحايا. وثانيًا، هي تعبر عن حالة الإحباط والشعور العارم بالفشل في فرملة هذه الظاهرة القاتلة، والعجز عن التأثير في سياسات نظام الأبرتهايد الاستعماري العنيف. فخلال أيام فقط، التهم العنف أربعة مواطنين فلسطينيين، أحدهم، الفنان توفيق زهر، الذي راح ضحية عنف أعمى، دون أن يكون له صلة بخلفية الجريمة أو بأي شجار، فازداد منسوب الخوف وفقدان الشعور بالأمن الذاتي، فضلا عن الجماعي. ومنذ بداية هذا العام، وصل عدد ضحايا العنف الداخلي إلى 29 ضحيّة.

ومع ذلك، أي مع ما يبدو أنّنا أمام تعبيرات غاضبة مكررة، وقرارات مكررة، كذلك، فإنّنا ربما نحتاج إلى التدقيق أكثر في هذه الصورة الأخيرة، وأن نحاول أن نرى بارقة أمل في إمكانية أن تكون حالة الغضب الأخيرة قد بدأت تعكس بدايات لتراكم لغضب طال دون أن يتحول إلى فعل منهجي وفاعل ومقاتل، الذي من المفترض أن يستند إلى حركة شعبية عريضة مدركة لعلاقة الجريمة بالسياق السياسي، أي السياق الاستعماري الصهيوني.

ويبدو أن حراكًا شعبيًا، وإن كان محدودا، بدأ مؤخرًا بالضغط على الهيئات العليا، من خلال مبادرات يقودها ناشطون وناشطات، مثل إقامة خيمات الاعتصام، والمظاهرات أمام مراكز الشرطة، تعبّر عن يأسها من شخوص استهلكت أدوارها.

أنا أفهم هذا الحراك، الذي يتجاوز بمبادراته الهيئات التمثيلية العليا، بأنه يعبر ضمنًا عن الرغبة في ضرورة تنحي العاجزين، أو الذين يحبون قضاء وقت فراغهم، أو عن الغربة في تغيير النهج. فالسياسة ليست قضاء وقت، ولا إرضاء الذات، إنّما مسؤوليّة أخلاقية تجاه المجتمع ومعاناته وخسائره. وهذا الحراك، الذي يتشكّل من تحت، هو التطور الطبيعي لمسيرة أيّ شعب تقتنع طلائعه الشابة بضرورة الخروج من الصمت والحياد إلى المبادرة والانخراط في عملية المشاركة في القيادة.

وفي هذا السّياق، يصحّ أن نضع مبادرة تنظيم القدرات البشرية، تحت إشراف لجنة المتابعة العليا، في سياق إيجابي، مضافًا إلى ذلك برنامج محاربة العنف، الذي أقرته اللجنة مؤخرا، كخطة إستراتيجية، وإن كنتُ لم أطلع بعد على كافة تفاصيلها، وعلى آليات تنفيذها. واعتقد أن تفكيرًا علميا يحرك هذه الإستراتيجيات.

ولكن السؤال الأكبر، هو هل القيادات الحاليّة، السياسيّة والبلديّة، مؤهلة أو قادرة على المضي قدمًا في تنفيذ الخطة؟

ولكن، قبل عشر سنوات، طرحت أمام لجنة المتابعة خطوط عريضة لتصور إستراتيجي عن كيفية محاربة العنف الداخلي، قدمه البروفيسور في علم الاجتماع، محمد حاج يحيى. ومن قراءتي له، آنذاك، وجدت أنّه برنامج غير تقليدي وشامل وقائم على فهم الخلفية الاستعمارية للعنف، وعلى القصور الداخلي للمجتمع الفلسطيني، ومؤسساته التمثيلية. والأهم في هذا التصور، أنه يعدّد الطاقات والموارد البشرية والاجتماعية والتعليمية المتوفرة في مجتمعنا والمطلوبة، ويشرح كيفية تجنيدها في تنفيذ البرنامج، ضمن رؤية زمنية تمتد لسنوات.

وبالإضافة إلى البروفيسور يحيى، هناك العشرات من الطاقات الأكاديمية المرتبطة بالهمّ العام، وتمتلك رؤية للنهوض.

والذي أعاق تعطيل تنفيذ هذا التصور في ذلك الحين، هو غياب الوعي لدى قيادة المتابعة بضرورة بذل جهد حقيقي لتوفير التمويل، أي عدم إعارة فكرة الصندوق القومي أيّ اهتمام، وهذا يعتبر فشلا ذريعا لقيادات المتابعة، على مدار العشرين عامًا الماضية، وحتى اليوم. وباعتقادي أن هذا العجز عند البعض، وغياب الرغبة عند البعض الآخر، لإقامة صندوق قومي، سيظل يغذي القصور الفاضح في إعادة بناء لجنة المتابعة العليا، وفِي إنجاح برنامج محاربة العنف.

والمحزن هو أن جميع مركبات المتابعة باتت متشابهة، أي أنها باتت مسترخية في كرسي العجز، ولم تعد لأحد منها روح متمردة تضغط باتجاه التغيير الجذري، ولم يعد لها صوت آخر برؤية وطنية بعيدة المدى وإستراتيجية بناء وخطة نضال شعبي. وبدلًا من أن تنفتح على الأجيال الشابة أو طلائعها المتعلمة والمناضلة أو أن تعترف بعجزها وتخلي مكانها لغيرها، تلجأ إلى تكريس البنية القائمة إلى مدّة أطول، أي إلى إطالة العجز، دون حتى مساءلة أو إعادة تقييم للمرحلة السابقة، واستحداث آليات تأثير جديدة، خاصة في مجال استعادة بعض من التضامن الجماعي المفقود.

إنّ محاربة العنف، كما محاربة مجمل مخططات النهب التهويد والحصار والعدمية القومية، تحتاج إلى إعادة روح التضامن والتكافل داخل المجتمع وإلى تنظيم شامل، باعتبارنا جزءًا من شعب واقع تحت نير مشروع استعماري مستمر ومتسارع. واعتماد التنظيم الشعبي يحتاج إلى منهجية وعمل دؤوب ونفس طويل.

ومن الأهمية بمكان أن ندرك أن المعركة واحدة، ولا يجوز تفصيلها إلى أجزاء عديدة. أي أن معركتنا ضد العنف يجب أن تكون مرتبطة بالمعركة ضد النظام الأبرتهايد الاستعماري العنصري، لأنه هو المبادر للعنف الأول، باعتبار أن غزو وطن وتشريد شعب واستمرار ممارسة العملية الاستعمارية حتى اللحظة ودون توقف، واحتجاز تطوره الطبيعي هو عمل عنيف ووحشي ومعادٍ للإنسانية.

لن تفلح في تحقيق ذلك إلا قيادة جديدة أو متجددة، تؤمن بأهمية وحدة الأجيال، وتستفيد من تجاربها وطاقاتها الخلاقة.