معادلة... طالبة الطب.. الضحية

بقلم: حمدي فراج

استقبلت مدينة ام الفحم جثمان شهيدة العلم "سوار" التي قتلت شر قتلة في مدينة ازميت التركية على يد والدها وشقيقها ، أقرب اثنين لها في هذه الحياة القصيرة حيث بالكاد أنهت العقدين من عمرها .

أشرّ القتل يتمثل في ان اقرب مقربيها كادا لها مع سبق الاصرار والترصد ، فقد وصلها الاخ قبل اسبوع فقط . أشرّ القتل أن تزهق هذه الروح التي هي ملك خالقها فقط ، وتلقي بها جثة من مكان مرتفع ، وسيتضح في التحقيق والتشريح ان كانت قد ماتت قبل الالقاء أو خلاله ، لكن الالقاء جاء لتشويه سمعتها أكثر بكثير مما قد تم تشويهه ، فيقال انها انتحرت . ولهذا ، تعمد القاتلان أن يتغيبا عن الشقة وقت إلقاء الجثة ، فيتبين من بعض الكاميرات انهما ظهرا وهما يقومان بجرّها، في تفاصيل تثير القشعريرة، وفي جريمة لا يقرها أي دين سماوي او تشريع انساني.

يصخب السؤال مجلجا على لسان ضحايا ما يسمى «الشرف» وآخرهن سوار طالبة الطب والغربة كما يزعم ويردد من يرتكبون مثل هذه الجرائم أو يسوّغونها: كيف يكون لديكم شرف وانتما ذكران قويان ضد أنثى ضعيفة؟ ، اين شرفكم وانتم تهربون وتكذبون انكما لم تكونا في الشقة ساعة إلقاء الضحية من بلكون الشقة ؟ أين شرفكم أمام الله وأنتم تدعون أنني انتحرت ، وهو يعرف ـ اذا كنتم حقا مؤمنون به – انكم تكذبون عليه؟ ، أين الشرف في أن خريج سجون – الشقيق - يقتل طالبة جامعية في مقتبل عمرها تستعد لدخول كلية الطب ، المهنة الأقدس في العالم وفي التاريخ؟.

لا شك أن أم الفحم فجيعة حزينة في قلبها إزاء خبر ابنتها ، لكن هذه المدينة لم تخرج عن بكرتها لتوديع شهيدتها الوداع الأخير ، تطورها الطوبغرافي المشوه ينعكس عليها في معظم أحداثها ، زرتها اواخر السبعينات ، وكانت بدون كهرباء ، فقلت لهم : كيف يحدث ان تصلنا الكهرباء في مخيم الدهيشة قبل مدينتكم؟ مجاريها مكشوفة للعيان ، لم يكن الدين السياسي المدعوم بالدينار الخليجي قد تسلل اليها بعد ، وكان زعماؤها يدركون انه التمييز العنصري الصهيوني ، سياسة الاهمال المتعمد لكل تجمع فلسطيني ، ناهيك عن مصادرات الارض التابعة للقرية ، (مساحتها 25 ألف دونم من اصل 150 ألف دونم) ، وبقدرة قادر اصبحت مدينة ، ومن هاشم محاميد رئيسا لبلديتها ، الى مدينة ذهب بعض ابناءها للقتال في صفوف «داعش» ضد سوريا .

في الدهيشة كتب محمد عمارنة على صفحته : "ماذا لو كانت أختي؟ كنت سأحزن عليها مرة لأنها أخطأت، ومئة مرة لأن خطأها كان في عالم يُسمحُ فيه للرجال بالقتل، ولا يسمح فيه للنساء حتى بمجرد الحب. كنت سأهرب بها إلى مكان تستطيع فيه التكفير عن ذنبها على فرض أنها ارتكبت ذنبا بدل أن أحرمها حتى من فرصة التوبة . ليتها كانت أختي حتى لا تموت وليقل فيَّ السفهاء والسوقة والدواب ما يشاؤون من سباب وشتائم وسخرية".

وهذا هو عمق الفرق بين مخيم الدهيشة ومدينة ام الفحم ، ما علمته نازك الملائكة قبل سبعبن سنة : يا جارات الحارةِ .. يا فتيات القريةْ / الخبز سنعجنه بدموع مآقينا / سنقصُّ جدائلنا ، وسنسلخ أيدينا / لتظلّ ثيابهُمُ بيضَ اللونِ نقيّةْ / لا بسمة ، لا فرحة ، لا لفتة / فالمديةْ ترقبنا في قبضة والدنا وأخينا.