حمدي النعسان.. منقذ الجرحى في المغير شهيدًا

رام الله-"القدس"دوت كوم- (خاص)- لم يعد الأسير المحرر حمدي النعسان (37 عامًا) من قرية المغير شمال شرق رام الله إلى منزله كما وعد زوجته، عصر السادس والعشرين من الشهر الماضي، لتناول طعام الغذاء بعد عشر دقائق، كما قال لها حين كان عاد في حينها من يوم عمل شاق في مهنته بمجال الإنشاءات، لكنه عاد شهيدًا لعائلته إثر إصابته برصاص المستوطنين.

بعد يوم عمل شاق في مجال "تكحيل الحجر"، عاد حمدي في ذلك اليوم مبكراً، صلى العصر، وحينها سمع نداء عبر مكبرات الصوت في المساجد، يدعو المواطنين للتصدي لهجوم المستوطنين على منازل المنطقة الشمالية من القرية. عندها أخبر حمدي النعسان زوجته بأنه لن يتاأخر وسيعود بعد عشر دقائق، وطلب منها ن تجهز له طعام الغداء، وخرج لكنه عاد شهيدا، حيث قال عمه فرج النعسان، وهو عضو إقليم حركة فتح في رام الله والبيرة ومدير الارتباط المدني في محافظة أريحا والأغوار، لـ "القدس"دوت كوم "رحل حمدي البطل المحبوب من الجميع، اضطررنا لتمديد بيت العزاء ليوم آخر، لاستقبال المعزين، نحن نحتسبه شهيدا".

عصرا كان تجمع الأهالي لمواجهة نحو 30 مستوطنًا بعضهم مسلحين ببنادق "أم 16" الأوتوماتيكية، وبحماية من جنود الاحتلال. كان المستوطنون يحاولون مهاجمة عددٍ من المنازل، ويسيطرون على تلة صخرية في المنطقة الشمالية لقرية المغير، كل شيء مكشوف، الأهالي يتقدمون ويقابلهم سلاح المستوطنين، وقد حول رصاص المستوطنين المنطقة إلى ساحة مفتوحة للقتل، اصيب فيها العشرات من الأهالي العزل اضافة الى استشهاد النعسان.

أصرّ حمدي النعسان الرجل الصلب والعنيد في مواجهة الاحتلال، على تلبية النداء والتصدي لهجوم المستوطنين، لقد كانت لحظات عصيبة على أهالي المغير حينما بدت المنطقة الشمالية من القرية وكأنها جبهة حرب، سقط خلالها حمدي شهيدا وأصيب العشرات ما بين مصاب بجروح بالرصاص الحي والمطاطي وبالاختناق بالغاز المسيل للدموع.

ويوضح فرج النعسان، عم الشهيد حمدي، أنه كان ملاحظا خلال هجوم المستوطنين على المغير تواجد قوات ما يسمى "حرس الحدود الإسرائيلي" في المنطقة، والذين وصلوا المكان ولم يتدخلوا بما يحدث، "لقد كانوا يمنعون الأهالي من الوصول إلى المستوطنين، في وقت كانت تلك القوات تصور الأحداث بعدسات كاميراتها".

حينما كان الرصاص يصيب الأهالي بشكل عشوائي، هنا مصاب وعلى بعد أمتار مصاب آخر، كان حمدي النعسان يتنقل بين جموع الأهالي، يحمل جريحا وينقله إلى السيارة في أسفل التلة، أنقذ حمدي مصابا وعاد، ثم أنقذ مصابا آخر من بين أزيز الرصاص، وحينما عاد ليساعد في انقاذ جرحى آخرين، كان أقاربه وأصدقاؤه ينتظرونه كي يعود، لكن حمدي لم يظهر فيما تواصل سقوط الجرحى، وما هي الا دقائق حتى أصيب حمدي وهو على بعد عشرات الأمتار من تواجد المستوطنين، كما اوضح عمه.

ويؤكد عم الشهيد أن ابن أخيه حمدي استشهد مباشرة، بعدما قطعت الرصاصة الحبل الشوكي في عموده الفقري، وهو ما بينه الطب الشرعي لاحقًا، وبعد إصابته نقل إلى المستشفى وبذل الأطباء جهودهم لكنهم أعلنوا استشهاده بعد دقائق من وصوله إلى المستشفى.

المواطن منير أبو عليا وهو من قرية المغير كان من بين المواطنين الذين تصدوا لهجوم المستوطنين، وأصيب بفخذه الأيمن ودخلت الرصاصة من جهة وخرجت من الجهة الأخرى، قال لـ "القدس"دوت كوم ان "المستوطنين كانوا يطلقون الرصاص الحي بشكل عشوائي، لقد كنت أرى المصابين أمامي وبجانبي، وحين أصبت كنت أرى حمدي النعسان وهو لا يبعد عني سوى عشرة أمتار، وربما شهدت مصيرا مماثلا لمصيره".

حمدي النعسان الذي أمضى أكثر من سبع سنوات داخل سجون الاحتلال، كان صلبا في مواجهة سجانيه خلال اعتقاله فقد "عزل انفراديا خلال اعتقاله لمدة وصلت نحو 100 يوم، بسبب عناده ومواجهته للسجانين، في ذات مرة أوسع حمدي أحد السجانين ضرباً بعدما وجه لحمدي الشتائم، فضرب حمدي بعدها وعزل، وحينما طُلب منه الاعتذار مقابل حل الإشكالية رفض حمدي إلا بشرط واحد، إن فك قيده سيعاود ضرب السجان مرة أخرى، لقد كان حمدي صلبا وعنيدا لا يتنازل لأعدائه"، كما اشار عمه.

بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال قبل نحو عشر سنوات، تزوج حمدي ولديه أربعة أطفال أكبرهم تاليا (9 سنوات) وأوس (8 سنوات) وتولين (3 سنوات) وأصغرهم كريم يونس (سنة واحدة فقط) والذي أسماه تيمنًا بالأسير كريم يونس عضو اللجنة المركزية لحركة فتح. لقد بقي حمدي ثابتًا ووفيًا لزملائه في الأسر ولأهل بلدته حتى استشهد.

لم يكن حمدي وهو أحد كوادر حركة فتح في قريته، يترك أي مواجه أو فعالية ضد الاستيطان او غيره الا ويشارك فيها، فضلا عن انه كان اعتقل سابقا بتهمة إطلاق النار وإلقاء زجاجات حارقة على أهداف إسرائيلية وبقي أكثر من سبع سنوات داخل سجون الاحتلال، لكن عزيمته لم تتراجع بعد الافراج عنه وظل دائم الحضور في مختلف الفعاليات المناهضة للاستيطان.

ومنذ نحو أربعة أشهر يواصل أهالي قرية المغير فعالياتهم قرب الشارع الاستيطاني المحاذي للقرية من جهتها الشمالية، وهو شارع لا يبعد سوى 500 متر عن القرية، ما يشكل خطرا حقيقيا على حياة الأهالي، علاوة على معاناتهم من المستوطنات والبؤر الاستيطانية المقامة على أراضيهم "عادي عاد"، و"كيداه" و"كودش"، و"كوهافا هشاحر".

وينفذ الأهالي فعاليات أسبوعية كل يوم جمعة هناك، موحدين بمختلف تنظيماتهم وعائلاتهم، رفضاً لتحويل معسكر لجيش الاحتلال قرب قريتهم إلى بؤرة استيطانية، وهو ما أوقع عشرات الجرحى بالرصاص وإصابات اضافة لحالات الاختناق بالغاز المسيل للدموع، واعتقال سبعة من الأهالي منذ بدء الفعاليات الاحتجاجية.

وعقب استشهاد حمدي النعسان، أعلن الأهالي عن فعالية "جمعة الغضب" بعد أقل من أسبوع على استشهاده، غضبا على استشهاده، سيما وانه لم يترك أي فعالية إلا وكان في مقدمة الصفوف، وغضبا للأسرى والجرحى. وشارك في تلك الفعالية نحو ألف من الأهالي والنشطاء، حيث أقاموا صلاة الجمعة قرب الشارع الاستيطاني، واندلعت مواجهات أوقعت عشرات الإصابات بالرصاص الحي والمطاطي وبالاختناق بالغاز المسيل للدموع.

ويعزو فرج النعسان أسباب ما جرى خلال هجوم المستوطنين على المغير في السادس والعشرين من الشهر الماضي، إلى ان وسائل الإعلام الإسرائيلية تناقلت قبل يومين من هجوم المستوطنين على المغير، تصريحا عن قائد الجيش الإسرائيلي لمنطقة رام الله، تحدث فيه "عن التصدي لأهالي المغير بكل الطرق، وأن في المغير شبانا يواجهون المستوطنين والجيش الإسرائيلي وانه لم يعد يُجدِ معهم الاعتقال ولا غير ذلك". ويرى أن ذلك يشير إلى وجود نية لدى المستويات العليا الإسرائيلية لغض الطرف عن المستوطنين، فلم يُجدِ ما جربه الجيش من قمع مع أهالي المغير، وبقي عنف وتغول المستوطنين من أجل تخويف الأهالي.

وطالب عم الشهيد حمدي النعسان بضرورة توفير حماية للشعب الفلسطيني من هجمات المستوطنين المحميين من الجيش الإسرائيلي، والضغط على المؤسسات الدولية من أجل ذلك، وأن يتم توفير الحماية على الأقل للمناطق التي يوجد فيها احتكاك يومي مع المستوطنين.