انتخابات بمن حضر ولمن حضر

بقلم: طلال أبو ركبة*

أصدرت المحكمة الدستورية العليا نهاية العام المنصرم قرارها التفسيري باعتبار المجلس التشريعي منحلاً، ودعت رئيس السلطة الفلسطينية الى إصدار مرسوم دعوة لإجراء انتخابات برلمانية خلال ستة أشهر. على اثر هذا القرار شهد الوسط السياسي الفلسطيني حالة معتادة من الجدل والصخب السياسي، حملت معها خطاب الانقسام المرير والاستقطاب الحاد الذي بات معلماً رئيسياً من معالم السياسة الفلسطينية الداخلية. وفي معرض اثبات شرعية وجودها، انشغلت الأطراف المتنازعة أصلاً في شرعية وجودها الدستوري، في اثبات مدى قانونية هذه الخطوة من عدمها. استحضر الجميع النظام الأساسي الفلسطيني، لتأكيد صحة موقفه، ولدحض شرعية الموقف الأخر، وكأن كل ما حدث وما زال يحدث كان يملك اساساً قانونياً قابل للجدل.

حالياً يبدو ان الأهم من حل المجلس التشريعي، هي الدعوة لإجراء انتخابات تشريعية مطلع الصيف القادم، وهي الخطوة التي يشكك البعض في مدى حدوثها من عدمه. ولكن المتابع لتسلسل الاحداث خلال العامين الأخيرين، وتحديداً منذ المؤتمر السابع لحركة فتح، وإصرار القيادة الفلسطينية على إجرائه رغم حالة الصخب التي رافقت انعقاده، وما تلاه من عقد المجلس الوطني، ومن ثم الدورة الثلاثون للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي انعقد في رام الله في شهر أكتوبر/تشرين الاول الماضي، رغم ان ما شهدته تلك المؤتمرات والاجتماعات من مقاطعة من قبل فصائل اليسار، ومن رفض حركتي حماس والجهاد الإسلامي المشاركة في المجلس الوطني بحجة التنصل من تفاهمات بيروت، يرى تعنت رئيس السلطة الفلسطينية في الاصرار على عقد الانتخابات "بمن حضر". ويكمن القول هنا أن الرئيس الفلسطيني، وبدعم من حركة فتح، قد نجحوا في احكام قبضتهم على منظمة التحرير ومؤسساتها، مستغلين بذلك غياب ومقاطعة الفصائل الفلسطينية الأخرى.

وفي محاولة لإنهاء مبرر حركة حماس بالاستمرار في ادعاء تمثيل الشعب الفلسطيني، بحجة امتلاكها الأغلبية في المجلس التشريعي المنتخب منذ العام 2006، استُخدمت مؤسسات السلطة الفلسطينية وأهمها المجلس التشريعي للطعن في شرعية حركة حماس. وكان للجولة الأخيرة التي قام بها عدد من أعضاء المجلس التشريعي في حماس في بعض العواصم العربية والأوروبية أثرها في إثارة حفيظة رئيس السلطة محمود عباس وفي اتخاذه قرار إنهاء ازدواجية التمثيل الفلسطيني. علما ايضاً بأن العديد من أعضاء المجلس التشريعي عن حركة حماس باتوا يتحدثون صراحة عن رئيس السلطة بوصفه منتهية ولايته وغير شرعي، بحسب وصفهم. الامر الذي بدوره ساهم في اتخاذ رئيس السلطة هذا المسار لإنهاء تلك الجدلية.

لكن يبدو أن الرئيس الفلسطيني قرر أن يقوم بخطوة مباغتة من خلال هذه الانتخابات لإنهاء ادعاء حماس تمثيلها للشعب الفلسطيني وبالأخص تمثيلها للأغلبية، ووضعها في خانة الاحتلال إذا ما أعاقت مشاركة سكان القطاع، سواء بالتصويت أو الترشح، من ممارسة حقهم الانتخابي، خصوصاً وأنه من المتوقع أن تقوم حكومة الاحتلال الإسرائيلي بعدم السماح لسكان القدس في المشاركة، عقب المقاطعة من قبل المقدسين لانتخابات البلديات التي قامت حكومة الاحتلال بها مؤخراً في القدس. وبالتالي ستبدو حركة حماس وحكومة الاحتلال وكأنهما من يمزق أوصال المجتمع الفلسطيني ويمنع وحدته السياسية، وممارسة حقه الديمقراطي في الانتخابات التشريعية.

في المقابل، من المتوقع ان تقوم حركة فتح بإعداد قائمة انتخابية مفتوحة تضم ممثلين عن قطاع غزة والقدس، تماما كما رام الله ونابلس والخليل وباقي المدن في الضفة الفلسطينية، حتى وان لم يشارك سكان كل منهما في الانتخابات. وستُجرى الانتخابات على قاعدة التمثيل النسبي واعتبار الوطن دائرة واحدة، ومرة أخرى بمن حضر. ومن المتوقع ايضاً ان تشهد هذه الانتخابات تلك الحالة المعتادة من الجدل وسينبري الطرفان في الدفاع والهجوم. وبينما ستصور حماس ومن معها من الفصائل تلك الخطوة على أنها استجابة لصفقة القرن وتمهيدا لفصل القطاع عن الضفة، فإن حركة فتح سترى بأن موقف حماس ومن معها يخدم الاحتلال والإدارة الأمريكية بقيادة ترامب. فهذه الانتخابات من وجهة نظر حركة فتح كان يجب عقدها منذ سنوات لتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية، والانتقال من حالة السلطة إلى الدولة، لمواجهة صفقة القرن. من هذا المنطلق، ترى حركة فتح في الانتخابات المدخل الرئيس لإنهاء الانقسام، وأن على حركة حماس احترامه واللجوء إليه.

ان حصلت الانتخابات سيكون الرئيس الفلسطيني قد نجح في تمرير ضربة مُوجعة لكافة خصومه السياسيين سواء حماس أو غيرها، لأنه من ناحية سينهي جدلية التمثيل المزدوج ما بين التشريعي والرئاسة، والفوز بالانتخابات في حال مقاطعة حماس والظفر بأغلبية المجلس التشريعي. مما يعني الانفراد رسمياً بالقرار الفلسطيني. من ناحية أخرى سيتمكن من محاسبة بعض خصومه السياسيين وتحديدا في التيار الإصلاحي لحركة فتح، من خلال قضايا الفساد ونزع الحصانة البرلمانية عنهم وجلبهم عبر الانتربول الدولي للمثول أمام القضاء الفلسطيني.

الخطوة شبيهة الى حد ما بمذبحة القلعة التي نفذها محمد علي باشا ضد خصومة السياسيين من المماليك في ذلك الوقت، ليتسنى له إقامة إمبراطورتيه وتحقيق تطلعاته الخارجية. باتباع هذا النموذج، يريد رئيس السلطة توجيه ضربة قاسية لكافة خصومه في الساحة الفلسطينية حتى يتمكن من مواجهة صفقة القرن وفق رؤيته من دون ضغوط داخلية تمارس عليه من خلال بدائل يتم التعامل معها بين الفنية والأخرى، او عبر وكلاء اقليمين هنا وهناك.

قد تنجح حركة حماس في المباغتة، إن أرادت لعب المعركة باحتراف من خلال الموافقة على الذهاب لانتخابات تشريعية الصيف المقبل في حال وجود ضمانات اقليمية ودولية لنزاهتها واحترام نتائجها. كما يمكن لها ان تلحق هزيمة جديدة بحركة فتح في الانتخابات التشريعية في حال استغلت حالة الخلاف السياسي ما بين عباس والنائب محمد دحلان وقامت بتوظيف ذلك الانقسام الفتحاوي من جهة، وما سطرته من صور المقاومة والبطولة في غزة في أذهان الكتلة الانتخابية الأكبر في الضفة الفلسطينية. لدى حماس الآن فرصة جيدة في أن تحظى باعتراف دولي إن فازت بالأغلبية في الانتخابات القادمة، وفي فرض نفسها بقوة على النظام الدولي والاقليمي. اما في حال رفضت المشاركة، فهذا يعني انها أخرجت نفسها خارج صناعة القرار السياسي الفلسطيني. المؤشرات الآن تؤكد ان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عازم على إجراء الانتخابات وكعادته بمن حضر..!

..........................................................

*محلل سياساتي في "الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية،" وباحث سياسي مقيم في غزة.