الممارسات الإسرائيلية لتقويض التنمية الفلسطينية في المنطقة (ج)*

بقلم: أحمد الأطرش**

إن الإتفاقيات المرحلية التي أوجدت المنطقة (ج) لم يتم إبرامها الا لتعمية الحاصل على أرض الواقع من سياسات إسرائيلية، والتي ألقت بظلالها على ممارسات وظروفًا شبيهة بالفصل العنصري أو الأبرتهايد. إن المتأمل فيما يجري في المنطقة (ج) يدرك أن المشروع الإسرائيلي - أي الاحتلال العسكري - ليس مؤقتًا ولا عَرَضيًا، كما نصت عليه اتفاقية أوسلو المرحلية التي وقعت في العام 1993. بل هو نظامٌ عرقي قومي استعماري استيطاني دائم تمخَّض من الأيديولوجية والممارسات الصهيونية المتطلعة إلى إقامة دولة يهودية خالصة تمتد من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط.

يتجلى هذا النظام بوضوح في منظومة السيطرة ومصفوفة الضبط الخشنة والقاسية التي تمارسها السلطات الإسرائيلية التي تضم نظامًا تعريفيًا وطُرقًا التفافية ونقاطًا عسكرية ونظامين قانونين منفصلين مطبقين على الفلسطينيين وعلى المستوطنين الإسرائيليين في الأرض الفلسطينية المحتلة، واحتكارًا إسرائيليًا للموارد الطبيعية الفلسطينية، وجدارا للفصل قام بمصادرة الأرض الفلسطينية وعزل القرى عن محيطها.

أدى هذا النهج الاستعماري إلى تقويض التنمية الفلسطينية من خلال ممارسات الهدم والتجريف ومنع الفلسطينيين من البناء على أرضهم. وتزداد يومياً مخاوف الفلسطينيين من سياسات التدمير والعزل الإسرائيلية المستمرة والمتزايدة بوتيرة غير مسبوقة، حيث أنه ثمة خشية من تنفيذ ما يزيد على 12,500 أمرٍ إسرائيلي بهدم نحو 13,000 بناءٍ فلسطيني في المنطقة (ج).

تبذل إسرائيلُ، منذ تشكيل الحكومة الحالية في 2015، جهودًا غير مسبوقة لإحكام قبضتها على الضفة الغربية، وتسارع في منح العطاءات لبناء المستوطنات الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة، وبالأخص في القدس الشرقية. غير أن هذا الوضع ليس بجديدً، فالاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ خمسة عقود يسمح لإسرائيل بمواصلة استعمار الأرض الفلسطينية وتحجيم التنمية الفلسطينية وتقويضها، حيث لم تتوقف إسرائيل عن تنمية المنطقة (ج) الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية بموجب إطار أوسلو والتي تشكِّل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، بل دأبت على تنميتها بأسلوب يحقق أهدافها وغاياتها حصرًا، ولا سيما من خلال تشييد المستوطنات والبنية التحتية العسكرية.

وفي حين يرى الفلسطينيون في التنمية وسيلةً للمقاومة في مواجهة السياسات الإسرائيلية التوسعية في الضفة الغربية، فإنهم مع ذلك لم يستطيعوا حتى الآن أن يحققوا برنامجًا تنمويًا فاعلًا على المستوى الوطني في تحدي إسرائيل. ولا غرابة في ذلك لأن أي مشروع تنمية ينفذ تحت سلطة المُحتل يعد أمراً مستحيلاً. تُسيطر إسرائيل سيطرةً تامة على الأرض الفلسطينية من خلال السيطرة على المرافق الأمنية والإدارية، بما يشمل التخطيط والتنمية، بالرغم من أن السلطة الفلسطينية هي الطرف المسؤول نظريًا عن الحياة المدنية في المنطقة (ج)، بما في ذلك التعليم والصحة، كما ورد في اتفاقيات أوسلو. وللإستفاضة في هذا المجال فإنه من المهم بمكان التذكير على أنه وبالرغم أن الاتفاق المرحلي (أوسلو) يفترض أن يتم النقل الرسمي للسلطات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، إلا أنه يحظر بوضوح الممارسة الفعلية الفلسطينية لسلطات التخطيط في المنطقة (ج) فقط في ثلاث حالات: عندما يعتبر الجانب الفلسطيني أن المخططات الهيكلية المقترحة تتعلق بالبناء الذي قد يقع ضمن "منطقة قريبة من" المستوطنات، المواقع عسكرية أو البنية التحتية التي تخدمهما (المادة 27 (3) (أ) و (ب)). ويدعم هذا النهج التفسيري بشكل خاص التزامات إسرائيل المستحقة تجاه حقوق الإنسان المنصوص عليها وفقاً للاتفاق.

توظف السلطات الإسرائيلية كل جهودها لعرقلة التنميةَ الفلسطينية في المنطقة (ج)، وفي معظم أنحاء الضفة الغربية الأخرى، وذلك من خلال اصدار الأوامر العسكرية التي تمنع الفلسطينيين من تسجيل الأراضي أو البناء عليها ومن تشكيل لجان التخطيط المحلية والإقليمية. يترتب على هذه الاوامر عند تطبيقها استبعاد قسري للفلسطينيين من المشاركة في العمليات التي توجه دفة التنمية المكانية، في الوقت الذي تصادر إسرائيل الأراضي بزعم المصلحة العامة لإنشاء الطرق الخاصة بالمستوطنين الإسرائيليين.

تصنف اسرائيل 70% من مساحة المنطقة (ج) كمناطق عسكرية مغلقة ويحظر دخولها العام على الفلسطينيين إلا بموجب تصاريح خاصة من السلطات الإسرائيلية، في حين تقتصر المساحة المخصصة للتنمية الفلسطينية على نسبة لا تتجاوز 30%، علماً أن النسبة المتاحة فعلياً للتنمية المكانية للفلسطينيين وفق التراخيص والموافقات الإسرائيلي لا تتعدى 1%. هذا وتتزايد القيود الصارمة المفروضة على التنمية المكانية الفلسطينية بالرغم من استحالة إقامة الدولة الفلسطينية دون المنطقة (ج) لأنها غنية بالموارد الطبيعية والتراث الثقافي، وتمثل المساحة الأكبر المتاحة للتنمية المكانية في الدولة الفلسطينية المستقبلية.

وفي حين تفوق الكثافة السكانية للفلسطينيين ضمن المناطق المبنية في المنطقة (ج) الكثافة السكانية للمستوطنين الإسرائيليين بأكثر من الضعفين، الا ان هذا التناقض يكشف الفرق الشاسع في فرص الوصول إلى الوحدات السكنية والموارد، ويزداد عند مقارنة الكثافات السكانية في المناطق المخصصة للتنمية التي وردت في الخطط الهيكلية التي قدمها الفلسطينيون في ظل القيود الإسرائيلية الراهنة.

وضع المجتمع الدولي خططاً ومبادرات للتجمعات الفلسطينية في المنطقة (ج) بالتعاون معها وبالشراكة مع السلطة الفلسطينية، ولكن بينت هذه الخطط محدوديةَ التنمية المكانية الفلسطينية، حيث ان إسرائيل وظفت تلك المبادرات كأداة لبسط سيطرتها على الضفة الغربية والقدس وضواحيها. استفادت السلطات الإسرائيلية على سبيل المثال من مشروع شبكة طُرق إقليمية أُنشئت أو أُعيد تأهيلها لخدمة الفلسطينيين بدعم من المجتمع الدولي لأن شبكة الطرق ستعود بالنفع أيضًا على المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، وتكمِّل الطُرق المخصصة للإسرائيليين التي تربط المستوطنات بإسرائيل.

تطغى برامج الطوارئ والإغاثة والعمل الإنساني على التدخلات الإنمائية في الضفة الغربية، ولا سيما المنطقة (ج). فالاحتياجات الأمنية الإسرائيلية المزعومة باعتماد الفلسطينيين على الجهات المانحة الدولية ساعدت على تجريدهم من صلاحياتهم لدرجة ان بعض القرارات الرئيسية قد سحبت من أيديهم. فقد أثبتت السياسات التي وضعت في إطار حل الدولتين بانها قادرة فقط على السماح للفلسطينيين في المنطقة (ج) بالبقاء على قيد الحياة في أحسن الأحوال، أي الوجود الضروري لتأمين حل الدولتين فقط.

بينما يَجدُ الفلسطينيون طُرقًا للصمود تحت الضغوط الهائلة التي تشوب السياق الإنمائي في المنطقة (ج)، فإنهم يواجهون انعدام الأمن على نحو متزايد. ولكي يستعيد الفلسطينيون أراضيهم وحقوقَهم، يجب عليهم أن ينبروا للتنمية في المنطقة (ج) عبر تدخلات تتجاوز الجهودَ الإغاثية والمبادرات الإنمائية الصغيرة وتتصدى لممارسات الاحتلال الإسرائيلي. يجب على السلطة الفلسطينية والمجتمع المدني الفلسطيني والمانحين التوصل الى سُبل تحافظ على التجمعات الفلسطينية المحلية وبالأخص البدوية والرعوية منها في المنطقة (ج) وتضمن بقائها ونموها والعمل على أراضيها. فلهذه التجمعات حقوقٌ بموجب القانون الإنساني الدولي تكفل لها استخدمَ أراضيها ومواردها الطبيعة دون تهديد، واستمرارَ ملكيتها للأرض وارتباطها التاريخي بها، والاحتفاظَ بقيمها الثقافية. كما يجب على الفلسطينيين وحلفائهم أن يستمروا في العمل مع المنظمات الدولية دفاعًا عن حق الفلسطينيين في تنمية المنطقة (ج). وينبغي للشركاء الإنمائيين والمنظمات المتعددة الأطراف، ومن ضمنها الأمم المتحدة، أن يدعموا هذه العملية الإنمائية بالنهوض بمشاريع إنشائية واسعة النطاق في المنطقة (ج) بما يتماشى ومعايير حل الدولتين.

مازالت الفرصة متاحة لكي يتعاون الفلسطينيون على تلبية احتياجاتهم الحالية دون تقويض حقوقهم، بما فيها الحق في تنمية دولة فلسطينية مستقبلية.

................................................................

*تستند هذه المقالة الى ورقة سياساتية نشرت عل موقع "شبكة السياسات الفلسطينية: الشبكة"

**محلل سياساتي في الشبكة ومخطط مكاني في التنمية الحضريــة في فلسطين.