التهدئة والمصالحة: أولويات غزة في السياق الوطني

بقلم: طلال أبوركبة*

ينشغل الحقل السياسي الفلسطيني هذه الايام في نزاع حول تحديد الاولويات الفلسطينية، وما ينبغي تقديمه على غيره من خيارات، ما بين التهدئة مع إسرائيل أو المصالحة الفلسطينية الداخلية. تنقسم الرؤى حول هذا الموضوع إلى اتجاهين مختلفين. الاتجاه الأول يرى بضرورة تقديم المصالحة كأولوية، على اعتبار أنها القادرة على حل أزمة النظام السياسي الفلسطيني، بينما يرى الاتجاه الآخر أن الاولوية هي للتهدئة في قطاع غزة ضمن شروط كسر الحصار أو تخفيفه على الأقل.

تتبنى معظم الفصائل الفلسطينية في غزة التهدئة كأولوية، وتوظف مسيرات العودة لتعزيز صمود المواطن الغزي والدفع تجاه كسر الحصار الإسرائيلي الذي دمر كافة أشكال الحياة في قطاع غزة، والذي يقف اليوم ومنذ أكثر من اثنى عشر عاماً، على أعتاب كارثة إنسانية بحسب تقارير الأمم المتحدة. بدورها ساهمت السلطة الفلسطينية في تدهور الوضع في غزة عقب الإجراءات العقابية التي اتخذتها منذ اذار/ مارس 2017 عندما خفضت رواتب الموظفين الى النصف وأحالت الآلاف منهم الى التقاعد القسري.

جاءت مسيرات العودة وكسر الحصار بمثابة حصان طروادة لحماس حيث وجهت سخط المواطنين وغضبهم جراء الأوضاع المعيشية في غزة باتجاه الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بعدما فشلت السلطة الفلسطينية عبر العقوبات التي وضعتها على غزة من إثارة الغزاويين على حكم حماس وتحريضهم على التخلص منها. وأمام نجاح الحركة في استمرار مسيرات العودة على مدار ثمانية أشهر متواصلة، حاولت إسرائيل عسكرة المسيرات عبر استراتيجية التصعيد الاسبوعي واستهداف المتظاهرين السلميين بالذخيرة الحية. هذه التطورات حركت الجهود المصرية والقطرية الإقليمية ومبعوث الامم المتحدة ميلادينوف لمنع الوصول الى حافة الحرب والعمل على نزع فتيل الأزمة.

ترى حركة حماس في اتفاق تهدئة مع اسرائيل فرصتها الضآلة للتخلص من إجراءات السلطة برام الله، والهادفة الى الضغط عليها باتجاه الاستجابة لكافة الاشتراطات المتعلقة بالمصالحة، وخصوصا التمكين الشامل فوق الأرض وتحت الأرض والذي تعتبره حركة حماس بمثابة تجريد لها من كافة مقومات قوتها. وتعمل مع الأطراف الإقليمية على إيجاد اتفاق يرتكز على معادلة الهدوء مقابل تخفيف الحصار. في حين ترى إسرائيل في الاتفاق معادلة اخرى تهدف الى الهدوء مقابل الهدوء.

نجحت الجهود التي بذلتها المخابرات المصرية الى حدٍ ما في التوصل الى اتفاق تهدئة بين الطرفين عبر جولات مكوكية بين رام الله وتل أبيب وغزة، ومن اول نتائجها التحسن الملحوظ على جدول كهرباء غزة عقب ادخال الوقود القطري بإشراف الأمم المتحدة، ومن ثم المعونة المالية القطرية للقطاع والتي بلغت نحو 15 مليون دولار.

تعارض السلطة الفلسطينية في رام الله التفاهمات التي تجريها حماس مع مصر وقطر وتصر على ان أي تهدئة مع الاحتلال لا بد أن تكون من خلالها او من خلال المنظمة باعتبارها صاحبة الحق الأصيل في توقيع أية اتفاقيات مع الاحتلال، وأنه لا يحق لأي فصيل أن يذهب منفرداً لعقد تفاهمات او اتفاقية معه، معتبرة أن هذا السلوك هو بمثابة تمرير لصفقة القرن والتي تهدف الى فصل غزة عن الضفة الغربية عبر بوابة الأوضاع الإنسانية. غير أن الملفت للأمر أن السلطة نفسها لا تعي بأنها ساهمت في تفاقم الأوضاع الإنسانية في غزة عبر ما اتخذته من اجراءات عقابية بحق القطاع منذ ما يقارب أكثر من عام.

ترى بعض الأطراف السياسية الفلسطينية بأن التهدئة التي تريدها إسرائيل هي في جوهرها تهدف الى إخراج غزة من دائرة الصراع، عبر جملة من الخطوات التسكينية والترقيعية التي توظفها لتحول حماس الى وكيل أمني لضبط حدودها، وترهن استمرار تدفق الأموال واقامة مشاريع انمائية ومعبر مائي مرهون بمدى قدرة حماس على ضبط الحدود وإنهاء الصداع المزمن لمستوطنات غلاف غزة التي بدأت بالتظاهر والاحتجاج على عجز حكومة اليمين عن التعامل مع ما يحدث على طول الحدود.

قد يعطي إخراج غزة من الصراع عبر حصارها باتفاقية تهدئة أو تفاهمات، إسرائيل الفرصة للاستفراد بالضفة الغربية والتي تحاول إسرائيل بكافة السبل السيطرة عليها وضم أراضيها وخصوصاً المنطقة "ج" وهو ما يحقق رؤية اليمين المتطرف لإنهاء الصراع عبر ما صرح به نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن الحل يكمن في "الدولة الناقصة"، والتي تسعى من خلالها إسرائيل الى فرض رؤيتها للحل كيفما تشاء وفي الوقت الذي تريد.

أمام هكذا سيناريو يبرز التساؤل حول دور غزة في السياق الوطني، وما إذا كانت غزة سترضى بهذا الدور وهي التي نجحت سابقاً في إفشال كافة المخططات لتصفية القضية الفلسطينية بداية من مشروع التوطين في خمسينات القرن الماضي، وليس انتهاء بمسيرات العودة التي انطلقت بالتزامن مع نقل السفارة الأمريكية الى القدس، لتعلن رفضها الشعبي والنخبوي لكافة الاجراءات الأمريكية. فالمحاولة الإسرائيلية الاخيرة تهدف الى إخراج قطاع غزة من سياقه الوطني. هذه المحاولة بدأت منذ الانسحاب أحادي الجانب في العام 2005 بوضع إسرائيل تصور لقطاع غزة على أنه كيانية فلسطينية ليس لإسرائيل أية علاقة بها، ومارست في إطار ذلك كي وعي مستمر ساهم بشكل مباشر في تصاعد المناطقية الجغرافية على حساب الوطنية الفلسطينية. وفي هيمنة الخلاص الفردي على الخلاص الوطني. هذه الممارسات الإسرائيلية لطالما هدفت الى حرف البوصلة والنضال، وتشويه القيم والمفاهيم النضالية الناظمة للعلاقة بين الفلسطيني كفرد والقضية.

قد يكون المخرج الفلسطيني في الذهاب الى مصالحة حقيقة شاملة تعيد للنظام السياسي توازنه وتعيد تعريفه على أسس الشراكة والتعددية وليس الانقسام، وعلى أسس التاريخ والنضال المشترك وليس الجغرافيا. مصالحة توظف التهدئة في خدمة النضال الوطني الفلسطيني، وتعيد الاعتبار لتعريف الفلسطينيين كجماعة سياسية واحدة وليس تجمعات سياسية متباينة. مصالحة موجهة ضد الاحتلال وسياساته الاستفرادية تعيد الاعتبار لفلسطين قضية وشعب لا فصائل ومصالح. مصالحة وتهدئة تصب في المصلحة الوطنية والسياق الوطني وليس خارجه. فهل ينتبه العقلاء!

.................................................................................................................

* باحث سياسي مقيم في غزة، ومحلل سياساتي في "الشبكة: شبكة السياسات الفلسطيني"