سياسة السماء المفتوحة: آلية لمساءلة إسرائيل عن ممارساتها المكانية التدميرية

بقلم: زينة الاغا*

تحرم منصات غوغل إيرث (Google Earth) وبينغ مابس (Bing Maps) فلسطين من الاستفادة من امتيازات جودة الصور الجوية الملتقطة للأرض الفلسطينية بسبب قانون "كايل-بينجامان" الاميركي الذي صدر بغرض حماية أمن إسرائيل القومي.

يمنع هذا القانون مشغلي الأقمار الصناعية وتجار التجزئة المتخصصين في بيع وتسويق المحتوى التصويري داخل الولايات المتحدة من بيع أو نشر صور لفلسطين بدرجة وضوح عالية تماثل باقي الدول، الامر الذي حد من الحصول على صور جوية واضحة لفلسطين.

يتعمد قانون "كايل-بينجامان"، وبذريعة شواغل الأمن القومي الإسرائيلي، إبهام الصور الجوية لفلسطين بشكل يعوق عمل علماء الآثار والبيئيين والجغرافيين والعاملين في المجال الإنساني، كما يضع عراقيل حقيقية ليس فقط في طريق الحفاظ على التراث الثقافي، بل أيضًا في طريق محاسبة إسرائيل على استيلائها على الأراضي وهدمها البيوت ونشاطها الاستيطاني.

وبالرغم من أن هذا القانون ينطبق فقط على الشركات الأمريكية، إلا أن هيمنة هذه الشركات على سوق صور الأقمار الصناعية التجارية مأسس القانون فعليًا على نطاق عالمي، ما أثر في قدرة الباحثين حول العالم على الحصول على صور جوية واضحة لفلسطين.

تاريخياً، ساهمت جماعات الضغط الموالية لإسرائيل بالوصول إلى صميم عمل الإدارة الأمريكية تحقيقًا للمصالح الإسرائيلية، حيث عملت على وضع العوائق امام انتشار شركات الأقمار الصناعية في المنطقة العربية. في العام 1992 ضغطت إسرائيل على الولايات المتحدة لإلغاء صفقة تقدمت بها الإمارات العربية المتحدة لشراء قمر صناعي للتصوير من شركة أمريكية. وفي العام 1994، حاولت المملكة السعودية بناءَ محطةٍ أرضية في الرياض عبر شركة أقمار أميركية ولكن أُلغيت الصفقة ايضاً جراء الضغط الإسرائيلي على أعضاء الكونغرس. اعترضت إسرائيل على الأمرَ التنفيذي رقم 12951 الذي صدر في الحقبة الرئاسية لـ بيل كلينتون والذي رفع به السريةَ عن أكثر من 860,000 صورة التقطتها أقمار التجسس الصناعية في الفترة بين 1960 و1972. اعتبرت إسرائيل القرار تهديدًا لأمنها القومي وضغطت على إدارة كلينتون لفرض حدِّ على دقة الصور مقداره ثلاثة أمتار للبيكسل الواحد على جميع مزودي الصور التجارية التي تغطي إسرائيل.

وتعيق القيود المفروضة على الصور الملتقطة لفلسطين، والتي تحدد بمترين للبيكسل الواحد، أي تفاصيل أقل بستة عشر مرة من الصور التي تلتقط لباقي دول العالم، قدرة الباحثين على الحصول على المعلومات. وفي حين تتيح الصور ملاحظة التغيرات الكبيرة التي تحصل على الأرض الفلسطينية المحتلة كبناء مستوطنات بحجم المدن في الضفة الغربية، وتجريف المباني الفلسطينية، إلا أنه من الصعوبة بمكان تمييز التغيرات الأدق. وبالتالي فان أعمال النهب أو الاعتداءات بواسطة المشاريع الإنشائية الصغيرة التي تجريها إسرائيل على الأرض المحتلة لا يمكن كشفها بوضوح إلا من خلال الصور التي تبلغ دقتها أقل من متر واحد للبيكسل، وذلك بحسب ما توصل اليه خبيرا الآثار أندريا زيربيني ومايكل فرادلي في جامعة أوكسفورد.

كذلك، يعرقل التدني في دقة صور الأقمار الصناعية جهود العمل الإنساني التي بذلت لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان وتقييم الأضرار في قطاع غزة المحاصر منذ عام 2005. فالصور المضبَّبة جعلت من قياس حجم الدمار اللاحق بغزة جراء الاجتياحات العسكرية في 2008-2009، و2012 و2014 تحديًا أكبر.

في سياق آخر، تؤثر الرقابة على جودة صور الأقمار الصناعية الملتقطة للأرض الفلسطينية على أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني يعيشون في الشتات خارج فلسطين، حيث ان معظمهم لا يملك سبيلًا للعودة أو حتى الزيارة. وفي هذه الحالات، يمكن أن تُستخدم التكنولوجيا كأداة لتخيل حق العودة بطريقة محسوسة، فالصور عالية الدقة غير الخاضعة للرقابة، تمكِّن الفلسطينيين من تصنيف ما تبقى من قراهم وبلداتهم المدمرة خلال النكبة، التي تدل على خسارة الوطن الفلسطيني وطرد نحو 750,000 فلسطيني في 1947-1948.

ومن منظور العمل على إنهاء الاستعمار، تقدِّم الصور الدقيقة المفصلة، التاريخية والحديثة، دليلًا معتبرًا على التمدد الاستعماري المتواصل على الأرض الفلسطينية المحتلة، وتسمح للفلسطينيين بتصور واقع بديل.

وفتح القمر الصناعي الفرنسي- الايطالي  بلياد 1A وبلياد 1B منذ سنوات المجال امام توفير صور تجارية عالية الدقة للمنطقة الممتدة من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط، بدقة تبلغ 0.4-0.7 متر للبيكسل الواحد. وقد ساهم ما توصل إليه القمران الصناعيان بالفعل في توثيق الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي، لاسيما في الدراسات التي تناولت الأضرار التي لحقت بغزة في حرب عام 2014. كما دخلت السوق منذ 2013 ست شركات وهيئات فضاء آخرى، وفَّرت صورًا تبلغ دقتها أقل من متر واحد للبيكسل، الا ان التحدي الماثل أمام الباحثين العاكفين على رسم خرائط للتغيرات الحاصلة على مر الزمن يتمثل في الحداثة النسبية للصور، فأرشيف صور الأقمار الصناعية الجديدة هذا يعود عمره لبضع سنوات فقط، مما يُصعِّب عمليةَ توثيق التغيرات التي طرأت على التضاريس والتوسع الاستيطاني العمراني طوال الفترة التي نشطت فيها إسرائيل في الهدم والبناء وكل ما أدى إلى تغيير معالم الأرض.

تحاول "غوغل إيرث" و"بينغ مابس" مقاومة القيود الاميركية على الصور الملتقطة لفلسطين، عبر استعارة مربعات من صور ايرباص غير الخاضعة للرقابة، لتغطية جيوب في الأرض الفلسطينية المحتلة، وبعض أجزاء من حدود لبنان الجنوبية، وشمال وغرب مرتفعات الجولان، وكذلك الشمال الغربي من الضفة الغربية. ولم تُخفِّض دقة الصور لتتماشى وقاعدة المترين للبيكسل المفروضة أمريكيًا، ولكن لا يمكن الجزم حتى الساعة بالسبب الكامن وراء التفاف الشركات الأمريكية على قيود الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، ونشرها صورًا مفصلة، الا انها قد تكون محاولة ضمنية للاعتراف بفلسطين والأرض السورية، التي هي أراضٍ محتلةٌ من وجهة النظر القانونية، وليست جزءًا من دولة إسرائيل الحالية، وبالتالي لا تخضع لقانون "كايل-بينجامان". ولكن بغض النظر عن دوافع تلك الشركات، فإن الصور غير الخاضعة للرقابة تلغي الاستثناء الإسرائيلي وتوفر للعلماء والعاملين في المجال الإنساني وللفلسطينيين إمكانيةَ وصول أكبر.

وتعود سياسة السماء المفتوحة على الفلسطينيين بالنفع، حيث ان من شأن الصور الواضحة لفلسطين أن تعزِّزَ النقاشات حول الممارسات الاستعمارية المكانية والسُبل الممكنة لإنهاء الاستعمار، كما ان استخدام الصور عالية الدقة لتحديد للمواقع الجغرافية التي يصعب الوصول إليها، يساعد علماء الآثار والجغرافيين ورسامي الخرائط على إجراء مسوح أثرية، كما ان زيادة الوصول إلى البيانات الجغرافية المكانية يرفع مستوى مساءلة إسرائيل عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان والقانون الدولي، ويمكن استخدامها ايضاً لتوثيق النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، وهدم المباني الفلسطينية، والتوغلات العسكرية في المناطق المحظورة مثل غزة، والتدهور البيئي، وتدمير المواقع التاريخية والدينية والأثرية، وبقايا القرى الفلسطينية المدمرة، وطمس المناطق المحيطة بسبب المشاريع الإسرائيلية التي غيرت التضاريس بطريقتين، بواسطة منظمات من قبيل الصندوق القومي اليهودي.

وتعتبر الصور عالية الدقة ذات اهمية كبيرة في المناقشات الدائرة حول حق الفلسطينيين في العودة والعدالة التاريخية، وهذا سيكون بمثابة آلية لمساءلة إسرائيل عن ممارساتها المكانية التدميرية، وأداةٍ قد تساهم في انهاء الاستعمار ووضع خريطةَ طريق لعودة اللاجئين الفلسطينيين.

....................................

* * زينة الآغا: زميلة في شبكة السياسات الفلسطنينية "الشبكة" في الولايات المتحدة. تغطي خبراتها بناء المستوطنات الإسرائيلية. عملت سابقًا في مجلة الإيكونوميست، وفي الوفد الفلسطيني لمنظمة اليونسكو. لها مقالات رأي ومساهمات إعلامية في صحف: ذا إنديبندنت، وذا نيشين، وإل بايس، وبي بي سي وورلد سيرفيس، وبي بي سي العربية. حصلت على منحة كينيدي للدراسة في جامعة هارفارد، حيث نالت درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط.