أمريكا المتغطرسة تدعم الفوضى في الإقليم

بقلم: الدكتور جمال زهران

إلى عهد قريب كانت أمريكا لا توافق إسرائيل على شرعية البناء في المستوطنات، وقد عايشنا قرار الرئيس الأمريكي بوش الأب، في ربط قرض أمريكي لإسرائيل قيمته عشرة مليارات دولار، بوقف البناء في المستوطنات، في إطار دعم الدور الأمريكي في عملية السلام بين الطرفين العربي والإسرائيلي!! كما أنه إلى عهد قريب كان الكونجرس الأمريكي بمجلسيه (النواب -الشيوخ) يقرر نقل عاصمة إسرائيل إلى القدس، ونقل السفارة الأمريكية أيضًا، إلا أن الرؤساء المتعاقبين كانوا يرفضون تنفيذ ذلك القرار، وتأجيله باستمرار!! كما كانت أمريكا ترفض الاستيطان بل والوجود الإسرائيلي في الجولان إلى حد رفض القانون الإسرائيلي الصادر عن الكنيست بضم الجولان إلى إسرائيل، وكأننا نعيش في عالم «الغابة»!!

أمريكا بطبيعة الحال هي التي تدعم إسرائيل بالمال والسلاح وكل شيء، وتشجعها على تصرفاتها بمنطق القوة، بل تمارس الضغوط على الأطراف العربية وغير العربية، في إطار دعم هذا الكيان الصهيوني، ولكن كانت تتظاهر دائمًا في نفس الوقت، بأنها ضد بعض التصرفات الإسرائيلية، بل وضد قرارات الكونجرس نفسه في الداخل الأمريكي، الداعمة لإسرائيل في إطار التنسيق مع اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت أمريكا تفعل ذلك بهدف الحفاظ على درجة من المصداقية، تتمكن خلالها من السيطرة على الأطراف العربية واستمرار اتفاقات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو!!

فماذا حدث إذن؟! منذ أن تولى ترامب حكم أمريكا في20 يناير 2017م، وسط ضغوط داخلية كبرى بعدم شرعية رئاسته، وباتهامات تصل إلى تزوير الانتخابات والتنسيق مع روسيا ...الخ، وهو يولي اهتمامًا وأولوية لقضايا السياسة الخارجية للتأثير على اتجاهات الرأي العام الأمريكي للتجاوز عن انتهاكات العملية الانتخابية. وقد مارس ترامب أسلوبًا متغطرسًا في تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية، من جرائه طرح مصداقية الولايات المتحدة أرضًا، لدى الأصدقاء قبل الأعداء.

فهو يمارس الضغوط على دول الخليج ويحصل على مليارات الدولارات تجاوزت الـ (500) مليار، في إطار صفقات العصر الفجة في السياسات الخارجية المعاصرة!! وفي المقابل يطرح مشروعًا يسمى «صفقة القرن»، يتضمن تقويضًا نهائيًا للصراع العربي الصهيوني، واستبداله بخلافات فلسطينية إسرائيلية ومشاكل حدود وخلافات على مساحات من الأراضي هنا وهناك، كما أنه يفاجئ العالم بقراريه الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس بدلاً من (تل أبيب)!! وتنفيذ ذلك في احتفالية كبرى في ذكرى النكبة (إنشاء دولة إسرائيل) في 15 مايو 2018م

بل وبدأ في الاعتراف الأمريكي الرسمي بشرعية المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، مُقرًا بذلك شرعية القوة!! كذلك فإن الحلقة الأخيرة هي في قرب الاعتراف الأمريكي بضم إسرائيل للجولان!! حيث يمارس «نيتانياهو»، ضغوطًا مكثفة وصلت إلى حد المطالبة الرسمية من الرئيس ترامب، بالاعتراف بضم إسرائيل للجولان السورية!! ولا يخفى عن أن الممارسات الأمريكية الداعمة لإسرائيل، والهادمة لكل القوانين والأعراف الدولية، قد تصل إلى الاستجابة لإسرائيل في مطالبها بشأن ضم الجولان!! وإعطاء الأولوية للصدام مع إيران!!

إذن نحن أمام غطرسة أمريكية تمارس بوجه مكشوف ودون خجل أو مواربة، أو إبقاء على شعرة معاوية، وفي مواجهة الأطراف العربية والإسلامية غير عابئة بردود الأفعال الشعبية، وبطبيعة الحال الرسمية التي تكتفي عادة بالتصريح بأن ذلك مخالف للقوانين الدولية!! وحينما تدعم أمريكا ترامب، داعش والإرهاب، وتمارس السياسة الخارجية بمنطق الصفقات المكشوفة، وتدعم إسرائيل بلا حدود أو سقف، وعدم الاكتراث بالنظم الحاكمة التي لا تقوى على ردود أفعال، وأصبحت في حرج مع شعوبها نتيجة هذا الأسلوب المتغطرس لترامب في تعامله مع قضايا المنطقة، فإنه يمكن القول بوضوح إن أمريكا تدعم «الفوضى» في المنطقة، وقد يسهم ذلك في الإطاحة بالاستقرار المتبقي فيها، وهي بذلك تلعب بالنار التي ستحرق دورها ونفوذها في المنطقة بعد انكشاف كل أوراقها على طاولة نظام إقليمي جديد آخذ في التشكيل بين محوري المقاومة والاستسلام.

...عن «الأهرام» المصرية