تشريع الواقع الاستيطاني على الأرض الفلسطينية

بقلم: زينة الآغا 

تستمر إسرائيل في تنفيذ مشروعها الاستيطاني الاحتلالي للأرض الفلسطينية متحصنة بقرار ترامب الأخير بشأن القدس لإضفاء الشرعية على اعمالها الاستيطانية غير الشرعية. الشروع بتشييد آلاف الوحدات الاستيطانية السكنية وإقرار مشروع قانون القدس الكبرى الذي ينص على ضم مستوطنات تقع بين القدس والخليل، لاقى حماساً من المشرّعين والسياسيين الإسرائيليين، الى جانب موافقة اليمين المتشدد في إسرائيل الذي يدعو إلى ضم الأرض الفلسطينية المحتلة كلها.

نشاطات استيطانية ومحاولات دؤوبة للاستيلاء على الأرض الفلسطينية بلغت ذروتها أوائل العام الحالي شهدتها المناطق المجاورة لمدينة القدس بغرض ضمها "للسيادة" الإسرائيلية. تأمين أغلبية ديموغرافية وتوسيع المستوطنات جزءٌ من المخطط الإسرائيلي الأكبر الهادف إلى ضم الضفة الغربية، والذي يشكل تحدياً للسكان الفلسطينيين الأصليين الذين يواجهون مفترقًا وجوديًا جليًا في مواجهة الجهود المستمرة بلا هوادة منذ 1967 لتوسيع المستوطنات غير الشرعية وبناء اخرى.

شرعت إسرائيل منذ العام 1967 في الحد من اقامة وتملك الفلسطينيين في منطقة القدس، وفي المقابل عملت على الدفع باتجاه رفع نسبة الإسرائيليين اليهود في المدينة وتعزيز سلطة وسطوة وجودهم. ويُعد مشروعُ قانون القدس الكبرى الذي يسعى إلى ضم مستوطنة "معاليه أدوميم" ومستوطنات أخرى تقع بين القدس والخليل من أكثر المشاريع الاستيطانية التي تسعى الى "تهويد" القدس من خلال تقسيم المناطق ديموغرافيًا والتوسع الإقليمي.

وسيسمح مشروع قانون القدس الكبرى بإحداث تغييرات في التركيبة السكانية عبر التعديل في الوضعية القانونية لـ 150,000 مستوطن قاطنٍ في المستوطنات واعتبارهم مقيمين في القدس. هذا التعديل يعطي للمستوطنين ايضاً حقَّ التصويت في الانتخابات البلدية والقدرة على التأثير في نتائجها.

وسبقت هذا المشروع محاولات عديدة عدل من خلالها الكنيست الإسرائيلي القانون الأساسي لعام 1980 بحيث سمح للحكومة بفصل مناطق في المدينة عن بلدية القدس والإبقاء على المحليات الجديدة الناشئة تحت السيادة الإسرائيلية، وذلك بهدف إقصاء 100,000 فلسطيني يقطنون في أحياء كفر عقب ومخيم شعفاط للاجئين وعناتا، وإعادة تصنيفها كبلدية فرعية وشطب سكانها من التعداد السكاني للمدينة.

وتساهم هذه الاجراءات الإسرائيلية في تقلّيِص نسبة السكان الفلسطينيين في القدس من ما يقارب 40% إلى 32% وذلك من خلال إعادة رسم حدود المدينة. كما تعمل على فصلُ الفلسطينيين عن عاصمتهم، القدس، وتهويد المدينة ديموغرافيًا ومكانيًا؛ الأمر الذي يستحيل معه قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

ومُنحت معاليه أدوميم خلال انشاءها كل الموارد اللازمة، وسعت الحكومة الإسرائيلية إلى زيادة عدد الإسرائيليين اليهود في المدينة ومحيطها من خلال تدابير عديدة كتقديم الدعم للمستوطنة وتقديم المحفزات للانتقال والعيش فيها.

وتشكِّل معاليه أدوميم مع المستوطنات المجاورة التي انتشرت حولها مساحةً مبنيةً شاسعة تتوسط المشهد الفلسطيني وتفصل الفلسطينيين عن عاصمتهم وعن بعضهم، وهي بمثابة النموذج الناجح للمشروع الإسرائيلي الاستيطاني.

ويهدف الضم المقترح لمستوطنة "معاليه أدوميم" وشريط الأرض الذي يربطها بالقدس، المعروف باسم منطقة(ج١). الى الحاقها بمدينة القدس وزيادة عدد السكان الإسرائيليين اليهود في المدينة.

وتحاول إسرائيل من خلال ضم "معاليه أدوميم" وأجزاء أخرى من الضفة الغربية على الاستحواذ على نحو 12 كيلومترا مربع من منطقة (ج١)، حيث تسعى إسرائيل من خلال وضع يدها على هذه المنطقة لتأمين التواصل الجغرافي بين معاليه أدوميم وإسرائيل بإيجاد تجمع يهودي حضري بين تلك المستوطنة والقدس.

ومن شأن هذا الضم أن يعزز قبضةَ إسرائيل على القدس الشرقية بتقزيم مناطقها الفلسطينية من خلال بناء الأحياء اليهودية، وتقليص إمكانية تطبيق نموذج حل الدولتين.

وسيزيد ضم إسرائيل للمنطقة (ج١) من عزلة الفلسطينيين المقدسيين، وسيفصل فلسطينيي الضفة الغربية عن القدس، المركز الاقتصادي والثقافي للكثيرين في الأرض الفلسطينية المحتلة، كما سيؤدي الى قطع سبل التواصل بين رام الله وبيت لحم، والتواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، هذا ناهيك عن ان الجدار الفاصل الذي يمر عبر أراضي الضفة الغربية وفي محيط المستوطنات الحالية يَحوُل دون وصول الفلسطينيين إلى القدس، حيث لم يعد بإمكان الفلسطينيين من حَمَلة هويات الضفة الغربية أن يعملوا، يدرسوا، يتعالجوا، أو يزوروا أصدقاءَهم وعائلاتهم في القدس دون تصريح من جهاز الأمن الإسرائيلي.

علاوةً على ذلك، سيزيد مشروع الضم من القيود الدينية المفروضة على الفلسطينيين المحرومين من حقَّهم في حرية التعبد في الأماكن المقدسة وسيحدُّ من قدرة ملاك الأراضي الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم وزراعتها كما سيؤثر بشكل كبير في البنية التحتية المحلية. فالطرق مثلًا التي يستخدمها الفلسطينيون، كما في حالات المستوطنات الأخرى، سوف تصبح طرقًا محلية مكرَّسة لاستخدام المستوطنين، وسوف يُحرَمُ الفلسطينيون من استخدامَها.

وفي سبيل تحقيق مشروعها، تعكف إسرائيل على إنشاء "الطريق الدائرية الشرقية" بالقرب من القدس، المسماة بطريق الفصل العنصري نسبةً إلى للجدار الذي يقسمها من المنتصف ليفصل السائقين الفلسطينيين عن الإسرائيليين. وبينما تساهم هذه الطريق في تسهيل تنقل الفلسطينيين بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، الا أنها تهدف أيضًا إلى تحسين الربط بين المستوطنات الإسرائيلية والقدس بينما تمنع السائقين الفلسطينيين من الوصول إلى القدس.

ويهدف ضمّ المنطقة (ج١) ايضاً إدخال "معاليه أدوميم" رسميًا في كنف القدس، وقطع الأرض قُطريًا، وعزل الفلسطينيين عن القدس، عاصمتهم المنشودة وتشريد المجتمعات الفلسطينية التي عاشت هناك لأجيال، كما ان تنفيذ مقترحات الضم تلك يقتضي طرد البدو المقيمين على تلك الأرض والذين يقدر عددهم بنحو 2700 بدوي، نصفهم من الأطفال، كما سيُسفر ضم المنطقة (ج١) ومعاليه أدوميم ايضا عن تغيير جذري في الواقع الجيوسياسي على الارض وتهويد القدس، وتعطيل قيام الدولة الفلسطينية المستقبلية المنصوص عليها في اتفاقات أوسلو.

إن موجة مشاريع القوانين الأخيرة ليست سوى مثالا آخر على المحاولات الإسرائيلية لسرقة الأراضي الفلسطينية ولعملية الاستعمار الصهيوني المستمرة من قَبلِ قيام دولة إسرائيل. وفي حين أنه من المستبعد ان تتراجع إسرائيلَ عن مشروعها الأيديولوجي الذي يطمح إلى "تهويد" الأرض الفلسطيني، ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تتحرك قبل فوات الاوان وتضعَ رؤيتها المكانية الخاصة بها للمنطقة الواقعة بين القدس ومعاليه أدوميم، مدعومةً بحقائق تؤكد أهمية المنطقة لإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلية، كما وينبغي أن يصوغ هذه الرؤيةَ البديلةَ جغرافيون ومخططو مدنٍ فلسطينيون ومراكزُ بحثيةٌ وفكرية فلسطينية، في حين يتوجب على حركة التضامن مع فلسطين وحلفائها أن يعززوا من جهودَهم للتحذير من اقتراب بلوغ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي نقطة اللاعودة، وذلك من خلال حملاتهم الحالية والمستقبلية التي تستهدف واضعي السياسات، كما ينبغي عليهم البحث عن سًبل لممارسة الضغط على الاتحاد الأوروبي وحثه على الالتزام بقواعده والتزاماته بموجب القانون الدولي.

............................................................................................................

*زينة الآغا : زميلة سياساتية "للشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية" في نيويورك، تكتب في عدة صحف ومجلات، نالت درجة الماجستير في دراسات الشرق الاوسط من جامعة هارفارد.