.. عن وعد بلفور ودولة يهود العالم .. ومقاومة شعب فلسطين.. والنجدات العربية!

بقلم " طلال سلمان

نسي العرب فلسطين، فكيف سيتذكرون وعد بلفور؟!

في خريف ذلك العام، وتحديداً في الثاني من تشرين الثاني 1917، كان العرب بقيادة الأسرة الهاشمية (الشريف حسين ونسله المبارك، وبالذات الاميرين عبدالله وفيصل) يحاولون استنقاذ ما يمكن انقاذه من الوعد البريطاني للشريف حسين، امير الحجاز بعاصمته مكة المكرمة بتنصيبه ملكاً على العرب في ديارهم جميعاً.

كان الشريف حسين قد اطلق نداء الثورة العربية طلباً لتحرير بلاد العرب من ربقة الاحتلال الذي غدا تركياً بعد اسقاط "السلطنة العثمانية" وارثة الخلافة العربية.. والمناداة به وبذريته من الإشراف قيادة للثورة والبلاد. ومعروف أن ذلك النص الفخم الذي يستذكر الماضي التليد كان يتجاوز الحلم إلى الخرافة التي تخدم مشروع الوراثة البريطانية (والفرنسية ولو بحصة محدودة) للسلطنة في المشرق العربي (ما دون مصر).

ولقد ذهبت وعود الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس للشريف حسين مع الريح، وان تم التعويض على نجليه عبدالله (في امارة شرقي الاردن التي سلخت من سوريا) وفيصل في عرش سوريا، فلما رفضت فرنسا هذا التقسيم تم التعويض على الامير الهاشمي بتنصيبه ملكاً على عرش العراق.

هكذا ومع انهيار حلم الثورة العربية الكبرى الذي غذّاه البريطانيون ثم أجهضوه قبل نهاية اليوم، بزغت شمس وعد اللورد بلفور، وزير خارجية المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، بإقامة الكيان الصهيوني فوق ارض فلسطين العربية.

شهدت فلسطين هجرة يهودية منظمة إلى فلسطين، بحماية عسكر الإنتداب البريطاني... ولقد تفجرت تلك الأرض المباركة بانتفاضات شعبية متوالية أعظمها في العام 1936 بقيادة الشيخ عز الدين القسام، سوري الولادة، عربي الانتماء، ثوري المنطلق.

بعد الحرب العالمية الثانية زحفت طوابير من العصابات الصهيونية التي كانت فصائل في جيوش الحلفاء إلى فلسطين، وقد اتمت تدريبها ميدانياً، وزودتها "الدول"، وبريطانيا اساسا، بالسلاح، في حين كان الفلسطينيون يدورون بحثا عن بندقية، و "يتبرع" بعض اشقائهم بتوريد بعض البنادق ليبيعوها إليهم بالثمن مضاعفاً.

وحين أُنشئت الأمم المتحدة تحت راية "الحلفاء المنتصرين"، كان العرب «متفرقين أيدي سبأ»: مصر وليبيا والاردن والعراق تحت سيطرة بريطانيا، لبنان وسوريا تحاولان التخلص من الهيمنة الفرنسية، وملك السعودية يلتقي الرئيس الاميركي روزفلت في البحيرات المرة في قناة السويس التي كانت تحت الهيمنة البريطانية، للتفاهم على مستقبل المملكة والحصة الاميركية من نفطها!

كانت الظروف كلها في خدمة المشروع الاسرائيلي: العالم كله، بغربه وشرقه، بالرأسماليين والشيوعيين، معه، والعرب بعنوان الفلسطينيين، ايتاماً، ضعفاءً، متفرقين لا يجدون من يسمع شكواهم...وهكذا فان لقاءات ملوكهم ورؤساء دول الهزيمة لم تنتج الا بيانات مفخمة لا هي اخافت العدو ولا هي طمأنت اصحاب القضية.

تقدم المشروع الاسرائيلي على الأرض، وسط مقاومة فلسطينية باسلة وبإمكانات محدودة، بينما الجيوش العربية تقاتل بأسلحة فاسدة -كما حدث مع الجيش المصري- او يخرج العسكريون من جيوشهم ليتطوعوا في "جيش الانقاذ" الذي جمع العديد من المناضلين السياسيين -عرباً وسوريين خاصة بينهم احد مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي الراحل اكرم الحوراني-.

كان التوازن معدوماً: فالعصابات الصهيونية (شتيرن والهاغاناه) كانت مزودة بأقوى الاسلحة، بما فيها الطائرات، وكان " جنودهما" ممن قاتلوا مع "الحلفاء" في الحرب العالمية الثانية وقد وصلوا إلى ارض فلسطين جاهزين للقتال، في حين كانت سفن الحلفاء تنقل آلاف العائلات اليهودية من أوروبا إلى فلسطين، بينما استنفرت الحركة الصهيونية آلافاً مؤلفة من اليهود العرب الذين كانوا يعيشون آمنين بين أهلهم واخوانهم العرب للرحيل إلى فلسطين تحت طائلة النبذ والتصرف معهم كخونة للوعد الالهي.

هُزمت الجيوش العربية الناشئة جميعاً: الجيش المصري الضعيف اصلاً والمزود بأسلحة فاسدة، والبعيد عن مواقع الدعم خلف سيناء، والجيش السوري الناشئ الذي تركه بعض عناصره ليقاتلوا كمتطوعين في "جيش الانقاذ "، الذي تولى قيادته ضابط من طرابلس في لبنان هو فوزي القاوقجي والذي تقدم لمواجهة جيش «اسرائيلي» عصري حسن التدريب والتسليح وسط حماسة أهل فلسطين الذين انتشوا بأناشيد الحماسة:" يا فلسطين جينالك ..جينا وجينا جينالك.. جينا لنشيل احمالك".

لكن الحماسة لم تعوّض التخطيط والإمكانات، أي السلاح الفعال والذخيرة والخطط العسكرية المستندة إلى معرفة بالأرض وناسها.

ثم أن السلاح الفاسد لم يكن من نصيب الجيش المصري فحسب، بل أن تجار السلاح في محيط فلسطين قد وجدوا في الحرب تجارة مجزية وهكذا باعوا إلى المجاهدين الفلسطينيين اسلحة قديمة ومستعملة بأسعار خيالية.

كانت اللحظة السياسية، دولياً وعربياً، ويهودياً، مناسبة جداً: العالم شبه موحد بعد الحرب العالمية الثانية التي جمعت إلى أوروبا بعنوان بريطانيا وفرنسا الولايات المتحدة الاميركية، وكذلك الاتحاد السوفياتي الذي كان يبني معسكره الاشتراكي ضاماً إلى روسيا العديد من دول اوروبا الشرقية.

وكانت الحركة الصهيونية قد عملت على امتداد خمسين سنة في الدعوة لعودة اليهود إلى «أرض الميعاد»، وإعادة مجد اسرائيل وهيكل سليمان في القدس مصورة أهل الارض-الفلسطينيين مجاميع من البدو الذين يركبون الجمال ويقطنون الخيام ويقتتلون على المراعي ويغزون بعضهم بعضاً.

أما الدول التي استعمرت اقطار المشرق -ومعظم المغرب- أي بريطانيا وفرنسا، ومعهما الولايات المتحدة الاميركية، فقد أدركت مبكراً غزارة النفط الموجود في شبه الجزيرة العربية. فأنشأ البريطانيون شركة نفط العراق، تاركين للفرنسيين حصة بسيطة فيها بينما أعطوا السمسار الارمني الذي رتب الصفقة نسبة 5% .. أما الولايات المتحدة فقد اكتفت بنفط شبه الجزيرة، مع الافتراض أن مناطق الخليج لا بد أن تحتوي مثل ما تم اكتشافه في المحيط.

وهكذا فقد وجد الغرب وظيفة حيوية استثنائية للمشروع الاسرائيلي في فلسطين.

باتت اسرائيل مصلحة استراتيجية حيوية للغرب الاستعماري عموماً، وللبريطانيين ومن ثم الاميركيين بشكل خاص.. ومن هنا أن هاتين الدولتين قد قدمتا من أسباب الدعم العسكري والسياسي، ومن ثم الاقتصادي للكيان الاسرائيلي ما يفوق أي تقدير، مما جعل هذه الدولة المزروعة غصباً أقوى من محيطها جميعاً في ارض يملكها اهلها الفلسطينيون الذين كانوا عبر التاريخ أهلها.

كذلك فان هذه الدولة تتمتع بحصانة، الغرب والشرق معاً، خصوصاً وان من جيء بهم اليها بذريعة المحرقة النازية في المانيا وبولونيا وأقطار اوروبية أخرى، هم ضحايا التاريخ، وان من حقهم العودة إلى أرض الميعاد، ولو على حساب أهلها الفلسطينيين، الذين صورهم الغرب مجاميع من البدو الذين لم يعرفوا الحضارة او التمدن أو حتى الدولة، بشهادة الانتداب او الاحتلال الغربي المباشر - (بريطانيا وفرنسا) بعد هزيمة المانيا ومعها تركيا في الحرب العالمية الأولى.

كان العرب قد خرجوا لتوهم من دهر الاحتلال التركي إلى عصر الاستعمار الغربي، أعجز من أن يقاوموا هذا المشروع المعزز بالتأييد الدولي سلاحاً ثقيلاً وطيرانا حربيا بطيارين مجربين، ومساعدات اقتصادية مفتوحة، مقابل فرقة عربية توزع الشعب او الشعوب العربية على دول شتى ضعيفة القدرات وتكاد تكون خارج العصر.

ولقد قاتل الشعب الفلسطيني بقدراته المحدودة على جبهات عدة في الوقت نفسه:

-ضد المستوطنات اليهودية التي انشئت بعد شراء كثير من الأراضي في فلسطين التي كان يملكها متمولون من أهل الاقطاع الفلسطيني كما في بعض الدول العربية (لبنان اساساً وبعض الباشوات ممن اقطعهم الاتراك اراضي واسعة..)

-ولقد تم تزويد هذه المستوطنات بالسلاح بتواطؤ واضح من المستعمر البريطاني، وعبر التخلي العربي، حتى لا نقول التواطؤ.

- فضلاً عن العجز الرسمي العربي، حتى لو افترضنا الاخلاص في حكام ذلك الزمن، عن مقاومة هذا الاجتياح المسلح المعزز بالتأييد الدولي الواسع (وشيء من التخلي العربي الرسمي).

-والاخطر: الجهل العربي بالمشروع الاسرائيلي المعد لفلسطين.

يكفي أن نشير إلى واقعة محددة للدلالة على هذا الجهل:

بين الروايات الثابتة والتي أوردها بعض مؤرخي القرن الماضي، أن العرب لم يعرفوا بوعد بلفور الا بعد الثورة البولشيفية في روسيا، وإقدام موسكو على نشر العديد من الوثائق الصادرة عن بعض الدول الاستعمارية (في نظر موسكو الشيوعية)، كان من بينها وثيقة تحمل نص وعد بلفور للحركة الصهيونية حول مشروع الدولة الاسرائيلية فوق ارض فلسطين..

وللحديث بقية حتى لا نختم بجملة الفنان الراحل محمود المليجي الشهيرة: وعايزني اكسبها؟!