هل بامكان فلسطين مقاضاة بريطانيا على وعد بلفور ؟

رام الله-"القدس" دوت كوم- قال خبيران بالقانون الدولي ان فرص مقاضاة بريطانيا على جريمة وعد بلفور بالمحاكم الدولية "معدومة، في ظل عدم قدرة فسلطين على التخاصم أمام محكمة العدل الدولية، وعدم ولاية محكمة الجنايات الدولية على وعد بلفور"، واوضحا ان المطلوب الان هو "ملاحقة قانونية لبريطانيا وليس قضائية" كما تصرح السلطة.

وأعلن وزير شؤون الخارجية والمغتربين في السلطة الفلسطينية، رياض المالكي، أن السلطة ستقاضي بريطانيا بسبب عزمها إحياء مئوية وعد وزير الخارجية البريطاني الأسبق، آرثر بلفور، في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1917، لزعيم الجالية اليهودية، آنذاك، ليونيل روتشيلد، الذي تعهد فيه بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ما مهد لقيام دولة إسرائيل في فلسطين وتشريد الشعب الفلسطيني.

ويرى أستاذ القانون الدولي، ياسر العموري، في حديث لـ "القدس" دوت كوم، انه "لا توجد امكانية للتقاضي أمام محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، حيث أنه بموجب النظام الداخلي للمحكمة العدل، وبموجب نظام روما المنشىء لمحكمة الجنايات الدولية، فان وعد بلفور لا يدخل في نطاق اختصاص أي من المحكمتين، حيث ان محكمة العدل الدولية تبحث في المسائل القانونية استناداً الى توافق طرفي الخصام لحل القضية لدى المحكمة، وبالتالي فان ولاية المحكمة اختيارية وليست جبرية، بمعنى أن طرفي النزاع يجب عليهما ان يتوجهان الى المحكمة متوافقين على أن تحكم بينهما لفض النزاع القانوني القائم، وهذا الموضوع لا ينطبق على حالة وعد بلفور، لأنه لا يوجد هنا توافق بين فلسطين وبريطانيا. ومن جانب آخر فان القضية لا تدخل في اختصاص المحكمة، لاسيما ان ولايتها غير جبرية".

واضاف "أما محكمة الجنايات الدولية، وبموجب النظام المنشئ لها فمن المستبعد القول بانعقاد اختصاصها لحالة كحالة وعد بلفور، وذلك لأكثر من سبب، من ضمنها، الولاية الزمنية لمحكمة الجنايات، حيث تدخل القضايا في اختصصها بعد عام 2002، واما الاختصاص الموضوعي للمحكمة فهو البحث في جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية والعدوان والابادة الجماعية، ولا يمكن لنا في هذه الحالة أن نكيف وعد بلفور ضمن أي من هذه الجرائم لتحدد اختصاص المحكمة، لذلك فانه لا انعقاد للمحكمة من حيث الاختصاص والفترة الزمنية لوعد بلفور".

المطلوب ملاحقة قانونية وليس قضائية :

واشار العموري، الى أن "الحديث عن ملاحقة قضائية لبريطانيا من خلال القضاء التقليدي من الصعب اللجوء إليه، ولكن يمكن أن تكون هناك ملاحقة قانونية عبر النشاط الدبلوماسي (تختلف الملاحقة القانونية عن القضائية) بمعنى التوجه الى الجمعية العامة، ومجلس حقوق الانسان وغيرها من المنظمات الدولية والمطالبة بفتح ملف وعد بلفور" موضحا ان "الأهم في ملاحقة بريطانيا على وعد بلفور هو تبعات وعد بلفور، التي عملت بريطانيا على تضمينه بصك الانتداب، والممارسات البريطاينة تجاه الشعب الفلسطيني التي شكلت انتكاسة جسيمة من خلال الانتداب والتي اخترقت بها القانون الدولي، وهذه مسألة اخرى مرتبطة بوعد بلفور وليست مسألة الوعد بحد ذاته. وهنا نتحدث عن ملاحقة قانونية أكثر من ملاحقة قضائية، والفارق أن الملاحقة القانونية أعم واشمل، اما الملاحقة القضائية تبقى محصورة بالمحاكم فقط".

وقال "اذا كان حديث الجهات الرسمية عن ملاحقة قضائية فان فرص نجاحها هنا تكون معدومة، لذلك يتطلب التوجه نحو الملاحقة القانونية بمساعدة الدول العربية ومنظمات حقوق الانسان للضغط على بريطانيا للاستجابة للحقوق الفلسطينية".

وبحسب العموري فان "الملاحقة القانونية من الممكن ان تفضي الى نتيجة ما، ويمكن أن نتأمل منها الاعتذار الذي يعني الاعتراف بالمسؤولية الدولية، وإذا ما حصلنا على ذلك فاننا نكون وصلنا الى قمة النصر، وهذا يأتي من خلال إعمال مبدأ المصلحة في العلاقات الدولية، بمعنى الضغط الدبلوماسي من خلال العرب والاصدقاء، ومن خلال المجموعات والمؤسسات الحقوقية من أجل اجبارها على الاعتراف بمسؤوليتها الدولية من خلال الاعتذار الذي يمكن البناء عليه لتحصيل بعض الحقوق وأهمها دعم إقامة الدولة الفلسطينية بشكل قانوني ومتكامل، كما تم دعم إقامة دولة إسرائيل وتكريس وجودها على أرض الواقع من خلال الممارسة البريطانية اثناء الانتداب وبعد الانتداب".

ويرى ان "هذه الخطوات القانونية يمكن ان تأتي بنتائج ايجابية إذا تم العمل عليها ضمن اسراتجية وليس ضمن تصريحات ذات بعد سياسي وليس ضمن البُعد القانوني".

واستبعد العموري امكانية انعقاد الاختصاص القضائي البريطاني على الوعد كوعد، باعتباره "ليس ذا قيمة قانونية وهو تصريح سياسي، والتصريح السياسي لا أثر قانوني له بشكل مباشر، إلا إذا اقترن بممارسة أدت الى وجود آثار قانونية، والممارسة التي أدت الى وجود آثار قانونية أتت من خلال الانتداب، وتضمين وعد بلفور في صك الانتداب لم يأتي بمجرد الوعد السياسي، لذلك يُستبعد ملاحقة القضاء البريطاني للوعد كوعد، بيد أن البحث في العلاقة القانونية بين الوعد والانتداب تصبح مسألة جديرة بالبحث القانوني، ولا أقول هنا الرفض أو الاستجابة، لتبقى امكانية البحث القانوني استنادا للمنظومة القانونية البريطاينة ذات العلاقة".

العاروري: تحريك الرأي العام أفضل من اللجوء الى القضاء

من جانبه يرى الخبير الحقوقي، عصام العاروري، أن فرص ملاحقة بريطانيا على وعد بلفور "محدودة"، وانه "لا يمكن اللجوء الى محكمة العدل الدولية، لانه لا يمكن المخاصمة امام المحكمة الا من قبل الدول، وفلسطين ليست دولة، في حين ان محكمة جرائم الحرب، حددت فترة ولايتها على فلسطين الزمانية بعد عام 2014 لذلك لا تستطيع النظر بهذه القضية التي حدثت قبل 100 عام".

وقال العاروري في حديث لـ "القدس" دوت كوم، "لكن يبقى الخيار المتاح هو اللجوء الى المحاكم البريطاينة، حيث يتيح القضاء البريطاني مثل هذا التوجه، ولكن الامر يحتاج الى تهيئة سياسية بالدرجة الاولى، وتهيئة الرأي العام البريطاني حول اهمية هذه الخطوة من ناحية اخلاقية وانسانية".

وأوضح العاروري ان الخطوات الامثل المتاحة هي "تحريك الرأي العام البريطاني لحث حكومته على اتخاذ موقف ايجابي باتجاه القضية الفلسطينية، ومطالبته بالاعتذار عن جريمته، ولكن اصرار الحكومة البريطانية على الاحتفال بمناسبة مرور 100 عام على وعد بلفور يعكس ضعف التأثير الفلسطيني والرأي العام البريطاني والدولي بهذا الخصوص".