التمييز ضد الأقلية العربية في إسرائيل: النساء أكثر المتضررات*

بقلم: سهير أبو عقصة داود**

تعاني الأقلية الفلسطينية في إسرائيل منذ هبة تشرين الثاني/أكتوبر ٢٠٠٠ من تفاقم الفقر والتهميش وأزمة في علاقتها مع مؤسسات الدولة والمجتمع اليهودي، وارتفعت حدة تلك الازمة ومستوى العنصرية والتحريض تجاه هذا الأقلية مع مجيء نتنياهو وحكومته. وتجلت هذه الممارسات أكثر بعد قيام إسرائيل قبل عامين بسحب مشروعية الحركة الاسلامية "الجناح الشمالي" كما استخدمت إسرائيل ايضاً قضية الحرائق التي اندلعت في حيفا ومناطق أخرى في أواخر العام الماضي للتحريض على هذه الأقلية عبر اتهامها بافتعال الحرائق.

ويحاول نتنياهو وحكومته منذ توليه رئاسة الحكومة الدفع باتجاه تمرير تشريع "قانون القومية" الذي يُعرف إسرائيل على انها دولة يهودية، في خطوة تشكل انتهاكاً لمبادئ القانون الدولي والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها إسرائيل والتي تنص على منع التمييز على خلفية الانتماء القومي أو الثقافي أو اللغة أو الدين.

التمييز في أداء الحكومة الإسرائيلية تجاه الأقلية الفلسطينية لحظته منظمة "التعاون الاقتصادي والتنمية- OECD" في تقاريرها التي اشارت الى هبوط إسرائيل إلى أسفل السلم في موضوع المساواة بسبب التمييز التي تتبعه بين العرب واليهود. ورغم تعهد إسرائيل بالعمل على الغاء التمييز، ورغم الاعترافات والتصريحات المتزايدة من حكومات إسرائيل المتعاقبة وتصريح رئيس حكومة إسرائيل "بنيامين نتانياهو" أثناء زيارة وفد من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الى إسرائيل بضرورة تشجيع الاقتصاد في المناطق العربية، وأهمية مشاركة المرأة العربية في الاقتصاد الإسرائيلي، الا ان تلك التصريحات والوعود التي اعلنتها اسرائيل كالعادة لم تترجم على ارض الواقع، فالدور السياسي الإسرائيلي الرسمي وقف وما يزال يقف، ضد تطوير المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل، ويحد من تطوير اقتصاده وفرص الاستثمار فيه، في سياسة تهدف لعزل هذه الاقلية اقتصادياً وتطويعها والسيطرة على مقدراتها بما يخدم الاغلبية اليهودية.  

وتتعرض الأقلية الفلسطينية لسياسة عنصرية ممنهجة تحرمهم، كمواطنين إسرائيليين، من شغل العديد من المناصب الرفيعة بحجج أمنية في العديد من الأحيان، فمن النادر استيعابهم في المؤسسات الحكومية والوظائف الإدارية العامة كبنك إسرائيل المركزي، والمطارات، والاعلام الرسمي، كما رفضت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تطوير التجمعات السكانية العربية من مدن وقرى، وتواصل سياسة التمييز في الميزانيات وترفض المصادقة على خرائط للبناء واقامة المشاريع، وعدم توفير المواصلات العامة وفتح مناطق صناعية توفر فرص عمل وغيرها. وإضافة الى ذلك فان إسرائيل تقوم بحرمان الأقلية العربية من عملها التقليدي في الزراعة، نتيجة للمصادرة المستمرة للأراضي العربية وعدم توفير الدعم الحكومي للمزارعين الفلسطينيين العرب.

كما وتواجه المرأة الفلسطينية مواطنة إسرائيل تحديات كبيرة في مجال العمل، وعلى النقيض من نسبة مشاركة النساء اليهوديات العاملات في سوق العمل في إسرائيل (التي تعتبر من أعلى النسب في العالم)، فان نسبة مشاركة النساء الفلسطينيات مواطنات دولة إسرائيل تعتبر من أدنى النسب. ورغم استمرار وجود معوقات مجتمعية وافكار مسبقة ضد مشاركة المرأة في العمل بشكل عام، وفي العمل المأجور غير المهني بشكل خاص، إلاّ أن التغيرات الجذرية التي طرأت على بنية المجتمع الفلسطيني نتيجة تحولات سياسية واقتصادية عميقة، ساهمت في الانفتاح وتشجيع عمل المرأة، ومع ذلك، فقد بقيت سياسات اسرائيل تجاه تلك الشريحة سببا محوريا في إبقاء المرأة على هامش الانتاج والعمل.

وتواجه هؤلاء النسوة تمييزاً عنصرياً في مجالات العمل، بالرغم من ان قانون تكافؤ الفرص بالعمل يمنع التمييز في التوظيف بسبب الجنس او العرق او الدين. وغالباً ما يستخدم الحجاب، او اللكنة عند تكلم العبرية، كمسوغ عنصري يقف عائقا امام دمج النساء في العجلة الاقتصادية ويحرمهن من فرص العمل، في حين يشكل النقص الحاد في دور الحضانة عائقاً اساسياً آخر امام دمج النساء العربيات في سوق العمل. وادى النقص في الدعم الحكومي لدور الحضانة الى تمنع عدد كبير من النساء من الانخراط في سوق العمل، علما ان هذا الدعم يغطي 25 دار حضانة فقط، من اجمالي 1600 دار تعمل في المناطق العربية في إسرائيل، هذا فضلا عن ان المرأة الفلسطينية وحين فرصة عمل، فإنها تبقى عرضة التمييز والاستغلال.

ورغم أن القانون الإسرائيلي يدعو الى المساواة بالأجور في العمل إلا ان الوقع مختلف، حيث تظهر الإحصاءات التي قامت بها مؤسسات مختلفة فجوة في الأجور، وتمييزاً مضاعفا تواجهه المرأة الفلسطينية كونها أمرأة تعيش في مجتمع أبوي ذكوري من جهة، ومجتمع يميز بين العرب واليهود من جهة اخرى. وعلاوة على ذلك، تتقاضى المرأة في إسرائيل 15% أقل من أجر الرجل، ويتقاضى الرجل الفلسطيني (مواطن دولة إسرائيل) نصف أجر الرجل اليهودي عن نفس العمل.

من ناحيه اخرى، فان السلطات المحلية العربية، التي تعاني بدورها من التمييز في الميزانيات من جهة ومن سوء الادارة والفساد من جهة اخرى، لا تعمل على معالجة مسألة إيجاد فرص عمل للنساء او العاملات منهن، فيما تحاول النساء العربيات (خاصة الأمهات منهن) جاهدات الى احداث تغييرات في حياتهن، ولكن عدم توفر مراكز رعاية للأطفال يقف عائقاً امامهن. وفي حين ان قدرة البلديات العربية على تغطية هذه الفجوة مازالت ضعيفة جداً، كما وتفتقد أغلب القرى العربية المشاريع الصناعية وشبكة مواصلات عامة. وفي ضوء هذا الواقع، فان نسبة كبيرة من النساء المتعلمات يعانين من البطالة، فيما تعمل الفئة الأخرى من النساء اللواتي لم يكملن تعليمهن في المصانع بالمدن اليهودية او في مجال الزراعة بأجور زهيدة. وقد حجمت هذه الامور مجتمعة اختيارات النساء، الامر الذي جعل المرأة تختار البقاء في البيت ورعاية اطفالها.

وبالرغم من الاقبال الملحوظ على التعليم لدى الاقلية الفلسطينية، وبشكل خاص بين نساء هذه الأقلية، وهو ما يعتبر من اهم الانجازات التي حققتها هذه الاقلية في إسرائيل، فان مشاركة المرأة الفلسطينية بقيت محدودة.

 وساعد التحصيل العلمي هؤلاء النسوة على المشاركة في سوق العمل، الا ان مشاركتهن لا تتلاءم مع التحصيل الكبير في مستوى تعليمهن، فالمرأة الفلسطينية داخل إسرائيل انخرطت في العقدين الاخيرين بقوة في مجالات عمل غير تقليدية عديدة تشمل سلك المحاماة والقضاء والطب والفن والسينما والتعليم والهندسة وغيرها. ورغم ذلك بقيت نسبة مشاركة المرأة الفلسطينية في سوق العمل في إسرائيل متدنية جداً، وتعتبر من أدنى النسب في العالم، حيث تصل ما يقارب 21% فقط. ومن الملاحظ ان هذه النسبة بقيت ثابتة تقريباً منذ أكثر من عشرين عاماً بعكس الزيادة الملحوظة لمشاركة المرأة اليهودية التي وصلت نسبة مشاركتها في سوق العمل حالياً الى حوالي 65% وهي من اعلى النسب في العالم، بل وتفوق نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل بالولايات المتحدة التي تصل 56%، كما ان المشاركة المتواضعة للمرأة الفلسطينية في إسرائيل تتناقض عالمياً مع الاحصاءات الصادرة عن الامم المتحدة والتي تدل على ارتفاع مطرد في نسبة المشاركة النسائية في العمل المأجور على مستوى العالم.

ويساهم في هذا الامر ان المناطق العربية، ومن ضمنها المدن الصغيرة التي هي أقرب ماتكون الى قرى كبيرة، تعاني من ضعف في التطوير والتخطيط، ومن محدودية وسائل المواصلات العامة خاصة في الاحياء المستحدثة التي تفتقر في كثير من الاحيان للشوارع المعبدة وشبكات الكهرباء والمياه، ما ينعكس على المرأة الفلسطينية التي لا تستطيع تأمين فرصة عمل بسبب عدم توفر مواصلات مناسبة الى مواقع العمل داخل احياء المدينة وخارجها.

تحاول مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة في المجتمع العربي في إسرائيل النهوض بأوضاع النساء عبر تنفيذ حملات إعلامية ونشر تقارير وأبحاث عن المرأة والمعوقات التي تواجهها في عدة مجالات. كما تقوم هذه المؤسسات بعقد ورش عمل ودورات تأهيل للنساء، وتدريبات لدعم دور المرأة القيادي في المجتمع، كما وتنشط بعض تلك الجمعيات في الوسط العربي وتحاول العمل على خلق موارد، ودعم مؤسسات عربية تركز على تمكين المرأة، ومؤسسات حقوقية كمؤسسة "مساواة" ومؤسسة "عدالة" وغيرها، كما يعمل بعض النواب العرب في الكنيست على تحسين مكانة المرأة في العمل وضمان سريان قوانين العمل على النساء العاملات.

وتواجه المرأة العربية في إسرائيل تحديات وعوائق كبيرة تتطلب من المجتمع بأطيافه المختلفة، وخاصة مثقفيه والاحزاب العربية والقادة الدينيين والمرأة نفسها، دوراً مسؤولاً لتصحيح مكانة المرأة وتغيير الأفكار، ولتعزيز دورها ودعم مشاركتها لأن ذلك ينعكس ايجابياً على المجتمع ككل. ان تحسين وضع المرأة العربية في الداخل والنضال لاحراز حقوقها الاجتماعية والاقتصادية هو نضال متشعب يستلزم نضال المرأة نفسها الى جانب النضال الذي يخوضه المجتمع المدني والنخب السياسية والأحزاب التقدمية. ويُفترض في هذا النضال ان يحارب الممارسات الاجتماعية والتقليدية للمجتمع العربي واستغلال ارباب العمل العرب للنساء العاملات، وان يدعم المرأة في نضالها للانعتاق من الممارسات الذكورية التي تحدد إطار مشاركتها في الهامش العائلي، وفي نضالها ضد المنظومة القانونية الإسرائيلية التي تعمل على اضطهادها اجتماعيا واقتصاديا وقوميأ.  

..................................................................................................

*تستند هذه المقالة الى ورقة سياساتية نشرت في "الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية" تحت عنوان "عمل المرأة في الهامش: تدهور أوضاع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل"

** محللة سياساتية في الشبكة، وأستاذة جامعية في قسم الدراسات السياسية في جامعة كوستال كارولينا في الولايات المتحدة الاميركية.