الفلسطينيون يمدّون جسرا بين جانبيّ الخط الأخضر

بقلم : سام بحّور

لقد صعقت الأحداث الأخيرة التي وقعت في القدس -حيث احتشد عشرات الآلاف من الفلسطينيين دون اللجوء إلى العنف رداً على الإغلاق الذي فرضته إسرائيل على البلدة القديمة وإقدامها على تركيب البوابات الإلكترونية على مدخل قبّة الصخرة والمسجد الأقصى- أكثر المراقبين تمرّسا، بمن فيهم السلطات الأمنية الإسرائيلية. وقد يلمّح تقرير جديد عنوانه العلاقة بين الفلسطينيين على جانبيّ الخط الأخضر إلى المكوّن السرّي الذي أتاح هذا العمل الجماعي وجعله مثالاً ناجحاً على المقاومة الفلسطينية غير العنيفة للاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي استمر لخمسين عاما، عِلما بأن التقرير استغرق أكثر من عاميْن وتتوفر النسخة العربية منه هنا (www.palestinestrategygroup.ps) في حين أنه سيتم إصدار الترجمة الإنجليزية قريبا.

لقد تملّكت الحيرة الجميع إزاء الأحداث الأخيرة التي وقعت في القدس ليس بسبب العدد الكبير من الناس الذين تظاهروا في الشوارع وأدّوا صلواتهم على الأرصفة بعد أن تمّ منعهم من دخول البلدة القديمة فحسب، بل أيضا بسبب كيفية حدوث ذلك على نحو عفويّ، وغير عنيف، وعلى ما يبدو بدون قيادة.

ومنذ عدّة أشهر، ما فتئت مجموعة من المحلّلين، والنشطاء، والمفكّرين، والسياسين الفلسطينيين المتفانين الذين يعملون مع مجموعة فلسطين للتفكير الإستراتيجي يعقدون الاجتماعات لاستقصاء جانب كثيرا ما يجري إهماله من الواقع الفلسطيني ألا وهو العلاقة بين الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل - الذين يُعرَفون حاليا بمواطني إسرائيل الفلسطينيين- والفلسطينيين الذين يرزحون تحت نير الاحتلال العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية -بما فيها القدس الشرقية- وقطاع غزة.

تقرير جديد

لقد حدّد التقرير الذي صدر مؤخرا القدسَ بصفتها مكانا مشتركا، حيث وللمفارقة تتداعى الحدود بين إسرائيل وفلسطين، وتتحوّل القدس إلى موقع للعمل والتعاون والنضال المشترك ضد السياسات الإسرائيلية الاستعمارية. وشهد الكثير من القادة السياسيين -أعضاء الكنيست الفلسطينيين، ومقدسيين، وأعضاء في حركة فتح، وأكاديميين منتسبين لحركة حماس وغيرهم- الذين اشتركوا في هذه المجموعة التي وضعت التقرير على التعاون القائم والناشئ وأيضا على الإمكانية والحاجة لمواصلة تطويره. وأشاروا أيضا إلى أن المشاركات الشعبية وتلك التي تنطلق من القاعدة تتجاوز الميادين التقليدية والرسمية للمشاركات السياسية.

وعلاوة على التطورات الأخيرة في القدس، جرى تحديد الحشد والتعاون بين الفلسطينيين عبر الحدود من أجل التصدّي لمخطط برافر -وهو مخطط وضعته الحكومة الإسرائيلية في عام 2011 في سبيل إعادة التسكين القسري لما يقارب 40,000 مواطن بدوي يعيشون في عشرات القرى التي تنتشر في صحراء النقب الإسرائيلية- بصفتهما يشكلان دليلا إضافيا على هذه الظاهرة الآخذة بالتنامي التي تتمثّل في أن الفلسطينيين الذين يعيشون على جانبيّ الخط الأخضر قد وجدوا أرضية مشتركة.

يبدأ التقرير الذي صدر عن مجموعة فلسطين للتفكير الإستراتيجي بالتصريح بحقيقة جليّة وساطعة بنفس المقدار، حيث تكمن هذه الحقيقة في أنه "بعد مرور خمسين عاما على الاحتلال الإسرائيلي والضمّ القسري للفلسطينيين الذين يقبعون تحت وطأة نظام إسرائيل الحاكم التمييزي، وصلت المشاريع السياسية المرتبطة بإنهاء الاحتلال والحصول على المواطنة الكاملة إلى طريق مسدود."

إن هذه الحقيقة ليست رائدة وحدها وبحد ذاتها، ولكن عندما تقترن بالإدراك التالي فإنها تقدّم ما يُعتبَر أكثر من مادة للتفكير، وتسلّط الضوء على هذه الظاهرة غير المعروفة إلى حدّ ما التي لديها الإمكانية لتجديد حركة التحرير الوطني الفلسطيني بأكملها. ويصرّح التقرير بأنه "في ظلّ المشاريع السياسية المختلفة، يشكّل التلاحم الوطني في صفوف الشعب الفلسطيني على جانبيّ الخط الأخضر أداة رئيسية من أجل إنشاء مظلّة موحّدة وجماعية من شأنها أن تفسح المجال أمام التشبيك، والتمكين، والتطوير. وفي حين أن هذه المظلة لا تلغي الخصائص السياسية [للفلسطينيين على جانبيّ الخط الأخضر]، فإنها تسعى لإدماج مشاريعهم السياسية. وسوف تساند مكوّنات هذه المشاريع بعضها الآخر بغية تحقيق مطالب كل منها، بما فيها إنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، وعودة اللاجئين، والحصول على المواطنة الكاملة، وتحقيق المساواة الفردية والجماعية داخل الخط الأخضر."

وسيلة فلسطينية جديدة؟

يستند هذا التقرير على فرضيّتيْن. تتمثّل الفرضة الأولى في الحاجة للتمييز بصورة واضحة بين الميدان الوطني والميدان السياسي. إذ يتوخّى التقرير إقامة مشروع وطني فلسطيني جامع من شأنه أن يلمّ شمل الشعب الفلسطيني برمّته، أي الفلسطينيين الذين يرزحون تحت نير الاحتلال في دولة فلسطين (الجديدة)، وفلسطينيي إسرائيل إلى جانب اللاجئين والفلسطينيين الذين يعيشون في الاغتراب. وتتمثّل الفرضية الثانية في الحاجة للنظر إلى المصالح والتصوّرات السياسية المتباينة للفئات الفلسطينية على أنها تكمّل بعضها بعضا عوضا عن كونها متناقضة مع بعضها البعض. ويحتضن تقرير الإستراتيجية التعدديّة ويحوّلها من كونها عاملا للإنقسام بين الفلسطينيين في الوقت الحالي إلى ركيزة لإعادة بناء مشروع وطني.

يحرص التقرير على التأكيد على أنه لطالما كان هناك دعم، وتشبيك، وعمل مشترك بين الفلسطينيين على جانبيّ الخط الأخضر. فقد عملت منظمة التحرير الفلسطينية وقادة الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل على نحو متضافر، ونسّقوا معا، وساندوا بعضهم البعض في مناسبات كثيرة. ولكن، دائما ما كان التنسيق خارج أيّ إطار مؤسساتي. ويشير التقرير إلى أنه "في أحيان كثيرة، اتّسم التعاون بكونه اعتباطيا، وفرديا، وغير حقيقي". ولكن وفي الوقت الراهن، لا يتّسم هذا التعاون بين الحدود بأنه محدد الأهداف، وجماعي، وحقيقي فحسب، بل ويتّسم أيضا بأنه يحمل في طيّاته بذور نوع جديد من القيادة الفلسطينية.

في هذا السياق، أي الافتقار للتشبيك المؤسساتي، اقترح المشاركون في المناقشات التي نظّمتها مجموعة فلسطين للتفكير الإستراتيجي عدّة خيارات محتملة من أجل مأسسة العلاقات بين الفلسطينيين على جانبيّ الخط الأخضر. ويتناول أحد الموضوعات الرئيسية التي يستعرضها التقرير "إنشاء إطار جامع وغير سياسي للفلسطينيين جميعهم."

يشكّل ما تقدّم أخبارا تبعث على الأمل بالنسبة للفلسطينيين الذين عَلِقوا في الشّلل المؤسساتي. وبالنسبة لإسرائيل، ولا سيّما ذلك الجزء الذي يشدّد على عدم وجود "احتلال عسكري" وتحدوه آمال عريضة بأنه قد يختفي الفلسطينيون ببساطة ذات يوم ويعفون إسرائيل من الخيارات الصعبة التي ينبغي أن تأخذها، فإن ذلك يشكّل أخبارا مثيرة للقلق.

جرى تنفيذ التقرير الصادر عن مجموعة فلسطين للتفكير الإستراتيجي بالتعاون مع المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) ومجموعة أكسفورد للأبحاث بدعم من وزارة الخارجية النرويجية، ومكتب الممثليّة النرويجية لدى السلطة الفلسطينية (2015-2017)، ومؤسسة كونراد إديناور ستفتنغ (2016-2017). ويُعدّ هذا التقرير الأحدث في سلسلة من الوثائق الهامة والمؤثّرة التي أصدرتها مجموعة فلسطين للتفكير الإستراتيجي منذ تأسيسها في عام 2008.

خلاصة القول أن الفلسطينيين يعدّون 12 مليونا وأن عملية أوسلو للسلام التي مضى عليها 25 عاما تقريبا سهّلت وللأسف بصورة ناجحة الرغبة الإستراتيجية التي حدت إسرائيل باستغلال إستراتيجية "فرّق تَسُد" القديمة العهد من أجل شرذمة الفلسطينيين واختزالهم في مجموعات متفرقة تواجه كل منها تحدّيها المتمثّل بالبقاء على قيد الحياة فحسب. ويأتي هذا التقرير الفلسطيني الجديد لكي يعيد ترتيب هذا الواقع، وينظر إلى الفلسطينيين على حقيقتهم المتمثّلة في كونهم متشرذمين من الناحية المادية، ومنقسمين من الناحية السياسية، ومع ذلك يشكّلون شعبا بكامله من رام الله حتى سانتياغو.

* سام بحّور هو عضو في أمانة مجموعة فلسطين للتفكير الإستراتيجي، ويعمل مستشارا في السياسات لدى شبكة السياسات الفلسطينية (الشبكة). ويمكن معرفة المزيد عنه والاطّلاع على مقالاته من خلال تصفّح مدّونته على الموقع الإلكتروني التالي www.ePalestine.com و@SamBahour.