بلفور وبعده: تاريخ بريطاني حافل بالتحيز لإسرائيل*

بقلم: يارا هواري**

وصفت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي "وعد بلفور" في كلمةٍ ألقتها في أواخر العام المنصرم أمام مؤتمر أصدقاء إسرائيل المحافظين قبل الانتخابات البريطانية الأخيرة، بأنه "من أهم الرسائل في التاريخ "وبأنه "ذكرى سنوية سوف نحيها بفخر." الا ان الاضطرابات السياسية في المملكة المتحدة التي أعقبت إعادة انتخاب رئيسة الوزراء تيريزا ماي بأغلبية بسيطة، والتداعيات الناجمة عن مفاوضات المملكة المتحدة للخروج من الاتحاد الأوروبي طغت على اهتمامات بريطانيا السياساتية الخارجية الأخرى، وخطط إحياء المملكة للذكرى المئوية لصدور "وعد بلفور."

عقود من محاباة المُستعمر

تملق تيريزا ماي وتوددها لأصدقاء إسرائيل المحافظين ليس جديداً، فلطالما كانت السياسة البريطانية مساندة لإسرائيل وللمشروع الصهيوني منذ نشأته الاستعمارية، فبالرغم من ادعاءات بريطانيا بالتزامها بإحلال السلام، الا أنها ما فتئت تنحاز في سياساتها الى جانب إسرائيل، على اعتبار انها حليفة أولًا وقبل كل شيء. ويتجلى هذا الانحياز عبر استمرارها في عقد صفقات الأسلحة مع إسرائيل، بالرغم مما ينجم عن تلك الصفقات من تواطؤ في جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. كما لم تتخذ بريطانيا، وعلى مدى عقود من الزمن، أي موقف تجاه إسرائيل لجهة استمرارها في بناء مستوطنات على أراضٍ فلسطينية صادرتها واستولت عليها بشكل غير قانوني، وتضاعف عددها منذ توقيع اتفاقات أوسلو، حيث باتت تضم ما يزيد على نصف مليون مستوطن. بل وعلاوةً على ذلك، فان الحكومة البريطانية تواصل شيطنة حركة المقاطعة (BDS) ومحاربتها.

سعت بريطانيا إلى تسهيل عودة اليهود إلى الأرض المقدسة لتحقيق نبوءة الكتاب المقدس، عبر استرشاد النخبة السياسية فيها قبل قرن من الزمن بالأيديولوجية الصهيونية المسيحية. وضمت تلك النخبة رئيس الوزراء لويد جورج الذي قاد الحكومة الائتلافية آنذاك، ووزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر بلفور الذي وقع رسالة "وعد بلفور" المشؤومة في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917، وتعهد فيها بتقديم الدعم البريطاني لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، متجاهلًا تمامًا الحقوق السيادية للشعب الفلسطيني الذي كان يعيش على تلك الأرض.

وبعد صدور وعد بلفور، استولى الجنرال إدموند اللنبي على مدينة القدس من القوات العثمانية، والذي كان بداية للحكم الاستعماري البريطاني في فلسطين.

وبالرغم من انتهاء التدخل البريطاني في فلسطين مع قيام دولة إسرائيل في أيار/مايو 1948 وتشريد غالبية السكان الفلسطينيين قسراً وحرمانهم من حقَّهم في العودة، الا ان الدعم البريطاني الثابت بالدفاع عن الصهيونية لم يتوقف.

وتلقت الصهيونية الدعم منذ القدم من حزب العمال البريطاني الذي كان متعاطفًا معها على اعتبارها مشروعًا يهوديًا اشتراكيًا للتحرير، كما أيد ​​هذا الحزب وعد بلفور في العلن. غير أنه وبعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان عام 1967، أخذت تعلو أصواتٌ أكثر انتقادًا لما يجري، وذلك بالتزامن مع الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتحول إسرائيل إلى اليمين.

وجدَّد حزب العمال في عهد توني بلير دعمه لإسرائيل. ويعدُّ بلير من أشدَّ الداعمين لإسرائيل في السياسة البريطانية الحديثة، وقد كان منذ بداية حياته السياسية في مطلع الثمانينات عضوًا في جماعة ضغطٍ مؤيدة لإسرائيل هي "جمعية أصدقاء إسرائيل في حزب العمال." وقد زار بلير إبان رئاسته للوزراء إسرائيلَ مرات عديدة، واعتبرَ الصهيوني العتي اللورد مايكل ليفي، من ضمن مستشاريه المقربين وأبرز جامعي التبرعات.

وفي عهد غوردون براون، خليفة بلير، استرعى ناشطو حقوق الإنسان الأنظار إلى علاقات بريطانيا بإسرائيل، ولا سيما تجارتها العسكرية معها، إبان عملية "الرصاص المصبوب" الإسرائيلية على غزة في 2008 و2009. غير ان تحركات ناشطي حقوق الانسان تلك لم تثن بريطانيا عن دعم إسرائيل، بالرغم من تأكيد تقرير صدر عن البرلمان البريطاني عام 2014 أن الجيشَ الإسرائيلي استخدم أسلحةً من المملكة المتحدة في عدوانه الذي أسفر عن استشهاد ما يزيد على 1400 فلسطيني، معظمهم من المدنيين. وفشلت نداءات الناشطين المطالبة بوقف المملكة المتحدة تجارة الأسلحة مع إسرائيل، واستمرت العلاقات بين بريطانيا وإسرائيل قوية.

ويتبنى زعيم حزب العمال الحالي جيريمي كوربين موقفًا مغايراً حيال فلسطين، وما انفك يواجه الانتقادات بسبب دعمه للقضية الفلسطينية الممتد لعقود، لا سيما بعد انخراطه في حملة التضامن مع فلسطين، حيث يصفه منتقدوه بأنه "مؤيد لحماس ومعادٍ للسامية".

وواجه هذا الحزب بعد انتخاب كوربين فضيحةً على خلفية معاداة السامية تسببت في تعليق عضوية العديد من أعضاء الحزب بمن فيهم الناشطة اليهودية "جاكي ووكر" التي وصفت في تعليق لها على الفيسبوك تجارة الرقيق الافريقية بالهولوكوست. وقد دفع هذا الامر كوربين في وقت لاحق الى اطلاق تحقيق برئاسة المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان شامي تشاكرابارتي التي نشرت تقرير التحقيق في حزيران/يونيو 2016، الذي أكَّدت فيه على أن حزب العمال ليس معادي للسامية. وتعتبر هذه الفضيحةَ بحسب البعض، جزءا من الجهود المستمرة التي تبذلها شخصيات مؤيدة لإسرائيل وبلير من أجل إضعاف كوربين. ويدل هذا عمومًا على مدى خطورة أن تتخذَ شخصيةٌ سياسيةٌ قيادية بريطانية موقفًا مؤيدًا لفلسطين.

فلسطين بعد "البريكست"

وبعدما أخفقت ماي في تعزيز أغلبيتها، لم يعد الطريق لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واضحًا، ولكن إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما هو مقرر في 2019، فإن الفلسطينيين، بحسب بعض الخبراء، قد يستفيدون من خروجها.

ويشير المؤرخ إيلان بابيه مثلًا، إلى أن خروج بريطانيا يمكن أن يكون "فرصةً مواتية لتحقيق حرية الفلسطينيين" لأن إسرائيل سوف تخسر المدافع عنها في الاتحاد الأوروبي، وإذا حصل هذا الامر فانه قد يفتح الباب لبلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي لطرح مبادرات دعم للحقوق الفلسطينية دون أن تعترضها بريطانيا المؤيدة لإسرائيل.

ودفعت مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون قبل شهرين من الاستفتاء على خروج بريطانيا، الى استخدام حجة الدفاع عن إسرائيل هذه في الاتحاد الاوروبي لدعم موقفه المناهض لخروج بريطانيا وذلك في خطابه أمام إحدى الجمعيات الخيرية اليهودية.

وأشار كاميرون في كلمته تلك الى خطورة حركة المقاطعة وقال "حين تتباحث أوروبا حول موقفها تجاه إسرائيل، هل تريدون بريطانيا - أكبر صديق لإسرائيل - هناك في خضم النقاش تعارض حملات المقاطعة وحملة سحب الاستثمارات وفرض العقوبات، أم تريدوننا خارج الاتحاد وغير قادرين عن التأثير في النقاش الجاري؟"

وخاطب كاميرون بوعده مكافحة حركة المقاطعة داخل الاتحاد الأوروبي الجماعات المواليةَ لإسرائيل، التي زادت مخاوفها من الحراك الفلسطيني في 2015 بعد أن أصدرت المفوضية الأوروبية مذكرتها التفسيرية التي تقضي بوضع علامات منشأ على المنتجات المصنعة في المستوطنات الإسرائيلية التي توجه لاسواق الاتحاد الأوروبي.

ويناقض موقف المملكة المتحدة المناهض لحملة المقاطعة مواقف بعض الدول الأوروبية مثل السويد وآيرلندا وهولندا التي تؤكد أن المقاطعة مثالٌ مشروع لحرية التعبير السياسي. ولكن وبالرغم من أن الاتحاد الأوروبي من دون بريطانيا قد يكون قادراً على التصرف بحرية أكبر في دعمه للفلسطينيين، الا انه لا يزال بإمكان إسرائيل أن تُعوِّل على الدعم القوي من دول أوروبا الوسطى والشرقية لثني مبادرات السلام العادل.

المطلوب أكثر من اعتذار

صاغَ وعدُ بلفور التجربةَ الفلسطينية، حيث ان تسليم فلسطين لمشروع استعماري استيطاني أوروبي وعدم احترام حقوق السكان الأصليين هو جوهر القضية الفلسطينية. ولا يزال عدم الاحترام هذا مستمراً حتى اليوم، ويتجلى هذا في مسرحية "عملية السلام" التي تسمح لإسرائيل بمواصلة مصادرة الأراضي الفلسطينية وتوسيع الدولة اليهودية تحت مزاعم السعي لإحلال "السلام."

ويتجنب المسؤولون البريطانيون في مناقشاتهم مع الفلسطينيين التطرق الى مناقشة وعد بلفور والنكبة، وغالبًا ما يطلبون من الفلسطينيين التوقف عن الحديث عن الماضي وأن يركزوا على المستقبل، وهي دعوة لنسيان الأحداث السابقة، وأسلوب يستخدمه أصحاب السلطة في خطاباتهم عن عملية السلام حول العالم، لا سيما في سياقات الاستعمار، والاستعمار الاستيطاني. ولكن عندما يكون الماضي هو الحاضر المعاش بالنسبة إلى كل فلسطيني، سواء كان في رام الله أو في حيفا أو في مخيمات لبنان أو الشتات الأوسع، فان المطالبة بالنسيان تصبح أمراً مستحيلاً.

يريد الفلسطينيون اعتذاراً بريطانياً عن الرسالة التي ساعدت في ولادة هذا الاحتلال والقمع المستمر، وهذا حق لهم، ولكن يجب على المبادرات الرامية إلى تحقيق هذا الهدف أن تحذرَ من الوقوع في مزالق عديدة. أولها أن استخدام خطابٍ يشدد على أن وعد بلفور لم يف بالتزاماته تجاه الشعب الفلسطيني، كما يدعي بعض الفلسطينيين، هو أمرٌ إشكالي، لأنه يوحي بأن الوثيقة شرعية في حين أنها وثيقة استعمارية أعطت شرعيةً لمشروعٍ استعماري استيطاني. فلا ينبغي للفلسطينيين استخدام وعد بلفور في سياق نضالهم أو للمطالبة بحقوقهم الإنسانية.

ثانيًا: بالرغم من أهمية الاعتذار، الا أنه يجب أن لا يأتي كبادرة رمزية فارغة، كما حدث في سياقات استعمارية أخرى حين ضللت اعتذارات الدول الاستيطانية الرواية التاريخية وتنكرت للعلاقة القمعية المستمرة بين الدولة والسكان الأصليين.

وعليه فانه لا بد لأي اعتذار أن يقترن باعتراف أن الماضي لم ينصرم، وأن المشروع الاستعماري الاستيطاني مستمر، وأن بريطانيا لا تزال شريكة في معاناة الفلسطينيين من خلال علاقاتها الدبلوماسية والتجارية بإسرائيل.

وينبغي لأي حملة مطالبةٍ بالاعتذار أن تطالبَ أيضًا بإحداث تغييرات في السياسة البريطانية من شأنها أن تفرض عقوبات على إسرائيل، وتحمِّلها مسؤولية انتهاكاتها لحقوق الإنسان الدولية. وبهذا الشكل لن يُطوى وعد بلفور في ثنايا التاريخ كشيء من الماضي، بل سيتجلى كوثيقةٍ لا تزال تتمخض عنها عواقبُ وخيمةٌ على الشعب الفلسطيني.

لقد بات من غير المؤكد الآن ما إذا كان بإمكان ماي - أو حزب المحافظين - البقاء في السلطة، وهذا من شأنه ان يتيح للفلسطينيين فرصةً لمضافرة جهودهم من جديد، التي لم تنجح حتى الآن، في استخدام الذكرى المئوية لوعد بلفور لإبراز سوء معاملة بريطانيا للفلسطينيين التي لم تتوقف منذ قرن من الزمن. وإلى أن تعيد الحكومة البريطانية النظرَ في موقفها شبه الثابت وتلتزم بإجراء تغييرات سياساتية حقيقية، فإنها سوف تستمر في اجترار القرار المدمر والقمعي الذي أصدرته قبل قرن من الزمن.

.....................................................................

* تستند هذه المقالة إلى تعقيب سياساتي نشر في موقع "الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية" تحت عنوان:" لا للحديث عن وعد بلفور كأنه تاريخ: الماضي هو حاضر الفلسطينيين"

**يارا هواري: محللة سياساتية في الشبكة، وطالبة دكتوراه في جامعة إكستر-بريطانيا