الحكم والحقوق والحياة اليومية في فلسطين

بقلم: عاصم خليل*

يستند الحكم، بالنسبة إلى الفلسطيني، على المكان الذي يعيش فيه الفرد الفلسطيني وعلى وضعيته القانونية في النظام القائم، وغالبًا ما تتسبب الجهود الرامية إلى إصلاح هذا الوضع في ترسيخه. طريقة الحكم في فلسطين تختلف عن طريقة "الحكم" في سائر بلدان العالم. فالحكم خارج فلسطين يعني القواعد التي تحدد كيف يحيا المواطنون حياتهم اليومية تحت مبدأ المساواة بالحقوق. اما طريقة الحكم فانها تختلف من مكان لآخر وبين فلسطيني وآخر.

ثلاث وضعيات قانونية تتحكم في حياة الفلسطينيين ومعيشتهم اليومية وحريتهم في الانتقال.

الوضعية الاولى هي وضعية فلسطينيي ١٩٤٨حملة الجنسية الإسرائيلية، والتي تمكنهم من الانتقال الى رام الله بحرية، بلوحة قيادة إسرائيلية ممهورة بالعلم الإسرائيلي، ولكن تمنعهم من الإقامة في رام الله.

الوضعية الثانية هي وضعية فلسطيني القدس الشرقية، أي حاملي هوية القدس الشرقية، والتي تخول حاملها الانتقال بحرية بين القدس ورام الله، بلوحة قيادة إسرائيلية، ولكن مخاطر سحب تلك الهوية واسقاط "الامتيازات" الاجتماعية التي يقدمها النظام الإسرائيلي كالتأمين الصحي والتأمين الوطني وغيرها قائمة في حال تغيير مقر السكن الى رام الله. اما الوضعية الأخيرة (الثالثة) فهي وضعية الفلسطينيين المقيمين في "أراضي السلطة الفلسطينية" والتي يحمل الذين ينطبق عليهم هذا الوصف بطاقة هوية صادرة من السلطة الفلسطينية (موافق عليها مسبقًا من "الإدارة المدنية الإسرائيلية") ودائما يحتاج حاملو هوية السلطة إلى تصريح حتى لدخول القدس الشرقية وإسرائيل، أما المبيت في إسرائيل فيتطلب تصاريح إضافية اخرى.

حكم غير متسق بسبب الاحتلال

يتباين تطبيق الحكم في فلسطين تباينًا واسعًا بسبب الاحتلال الإسرائيلي وتتفاوت آليات تنفيذه بين الافراد الفلسطينيين، ويتمخض عن هذا التجزؤ في الحكم هيكلٌ من التمييز يزداد رسوخًا مع الوقت. يمثل القانون الأساسي المعدل الذي صدر في العام 2003 دستور السلطة الفلسطينية المكتوب للفترة الانتقالية. هذه الوثيقة الشاملة التي تضم 121 مادة، بما فيها فصل للحقوق، مازالت حتى يومنا هذا قاصرة وتفتقر إلى نهج متسق ومتماسك لتشمل موادها الدستورية الفلسطينيين كافة، هذا ناهيك عن ان هناك اليوم لجنة في غزة تحكم الفلسطينيين هناك بحكم الواقع وتتبع لحركة حماس، وحكومة لفلسطينيي الضفة الغربية تابعة السلطة الفلسطينية، بينما تملك الحكومة الإسرائيلية السلطة على فلسطينيي القدس الشرقية.

ففي سياق الاحتلال الإسرائيلي، ليست السلطة الفلسطينية مَن يضع ناموس الحكم في الضفة الغربية، وعلى مدار 23 عامًا الماضية، لم تُحدِث سوى تغييرات حقيقية قليلة في طريقة حكم الضفة الغربية. اما مفاوضات السلام الفاشلة فقد ساهمت في إدامة إطارَ الحكم المنصوص عليه في اتفاقات أوسلو دون تغيير يُذكر، بالرغم من أنه وضع ليكون مؤقتًا ولمرحلة انتقالية. هذا الوضع السياسي الراهن أتاح لإسرائيل بأن تظل قوةَ احتلال تمارس سلطات سيادية على الأرض الفلسطينية المحتلة، بينما أمست السلطة الفلسطينية مزود الخدمات الرئيس للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. تمارس إسرائيل في فلسطين دور سلطةٍ فوق وطنية تحدُّ من صلاحيات السلطات الحكومية بشكل يجعل الوضعَ في فلسطين مختلفًا عن أي مكان آخر على وجه الأرض، فحين نشير إلى "الدولة" في فلسطين، فإننا لا نتحدث عن دولة قومية ذات سيادة وفقًا للقانون الدولي العام، بل لا يمكننا ذلك ما لم - أو حتى - يتم الاعتراف رسميًا بفلسطين وبالجنسية الفلسطينية. عندما نتحدث عن "الدولة" في فلسطين، فإننا نتحدث عن الكيان في المشهد الخلفي والذي نشير إليه عندما نتحدث عن الحكم. وهذا الكيان في فلسطين هو إسرائيل.

قواعد تختلف باختلاف الفرد، الدين والجنس

الافراد الفلسطينيون هم عامل تعقيد ثان في قواعد الحكم في فلسطين حيث تحكم حياةَ الناس اليومية مصفوفةٌ معقدة من القوانين والأوامر والمعايير والمؤسسات الإدارية والحكومية، فما ينطبق على المسيحي كقانون - فيما يتعلق بالزواج والطلاق مثلًا – في مكان ما قد لا ينطبق على جاره المسلم، وما ينطبق على المرأة كقانون – كالقواعد العرفية أو قواعد الميراث – قد لا ينطبق على أخيها أو أقاربها الذكور، وما ينطبق على الناس في مختلف أنحاء فلسطين كقانون – تعريف الجريمة والفعل غير المشروع مثلا – يمكن أن يتباين من حيث الحقوق أو القيود أو الامتيازات تباينًا كبيرًا. كل هذه الأمور تؤثر في حياة الافراد الفلسطينيين اليومية، وحتى في أوجهها البسيطة مثل التنقل والسفر، فعلى سبيل المثال، وبالعودة إلى الوضعيات القانونية التي تتحكم بالفلسطينيين، فانه فيما يخص السفر الى الخارج فان بإمكان أصحاب الوضعية الاولى والثانية السفر جوًا من مطار بن غوريون، أو برًا عبر أحد الجسور إلى الأردن، ولكن ليس عبر الجسر نفسه، فالفلسطينييون حملة الجنسية الإسرائيلية يعبرون براً الى الأردن عبر معبر الشيخ حسين المعترف به كحدود دولية، بينما ينبغي على أصحاب الوضعية الثانية العبور الى الأردن عبر جسر اللنبي. يستخدم أصحاب الوضعية الثالثة جسر اللنبي ايضاً للعبور الى الأردن، ولكن عبر قاعات وإجراءات منفصلة عن تلك التي يستخدمها المقدسيون الشرقيون، وهم دائما معرضون لعدم العبور والعودة الى الضفة تحت ذرائع "أمنية" او دون تقديم أي تفسيرات للمنع من العبور، اما الفلسطينيون القاطنون في غزة المحاصرة فلا يملكون إمكانية التنقل هذه، لأن السلطة المتمركزة فوق السلطة الوطنية، والمتمثلة في إسرائيل، تهيمن ايضاً على هذا الجانب من الحياة اليومية، ومَن يحمل من هؤلاء الفلسطينيون بطاقة هوية صادرة من غزة ويقطن خارج غزة، فحياته أكثر تعقيدًا، ولا سيما إذا كان يسكن في الضفة الغربية، حيث تكون قدرته في ممارسة حياته اليومية محدودة للغاية من حيث العيش والعمل ودخول المنطقة والخروج منها.

إن أفضل ما يمكن أن يوصف به نهج الحكم هذا هو أنه نهج وليد لحظته، يعتمد في تطبيقه على الطرف المعني والجنود (الإسرائيليين) الأفراد الموجودين في مكان وزمان ما، وعلى قرارات إدارية لا تستند الى أي أمر قضائي.

وبالتالي فان ما يفترض في هذا الحكم انه منصف هو في الواقع متناقض مع قواعده. واستمرار هذا الوضع على حاله من شأنه ان يؤدي الى أثرٍ كارثي على سيادة القانون في فلسطين، وسيترتب عليه وضعٌ يتناقض تمامًا ومفهوم السيادة.

إعادة صياغة المصفوفة

هذا العرض الموجز لهذه المصفوفة القانونية الفلسطينية من شأنه أن يدقَّ جرس الإنذار لصانعي السياسات الدوليين، ولا سيما أولئك الذين ينزِعون إلى دعم سيادة القانون وجهود الحكم والعدالة داخل فلسطين.

هناك العديد من مبادرات حُسن النية التي ينفذها المجتمع الدولي، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، تسعى إلى دعم مشاريع الحكم وسيادة القانون في ظل السلطة الفلسطينية، فمشروع "سيادة (2)" مثلًا الذي تبلغ ميزانيته 4.9 مليون دولار يهدف، بحسب وصفه، إلى تحسين مستوى إحقاق العدالة لجميع الفلسطينيين وتقوية النظام القضائي، غير أن هذه الجهود المبذولة في الوضع القائم التي يعمل هذه المشروع ومثيلاته على التطلع لتحقيقه يدعم الاحتلال في نهاية المطاف ولا يحقق الغاية المنشودة منه في تحقيق سيادة القانون على جميع الاراضي الفلسطينية.

تتحمل المبادرات المختلفة لسيادة القانون التبعة في هذا الشأن، كونها إمّا تتجاهل أن إسرائيل دولة احتلال، وإمّا تفترض أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس السلطة على الناس بتساو، وكلا الاستنتاجين خاطئ، وكلاهما يُفضي إلى نتيجة سلبية واحدة تتمثل في دعم السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال، وهي وسيلة لترسيخ نظام الفصل العنصري.

وبحسب رأي بعض الخبراء، فان مبادرات الاتحاد الأوروبي الرامية إلى دعم سيادة القانون في منطقة السلطة الفلسطينية، تقوم بتعزيز سيادةَ القانون تحت الاحتلال، وترعى عمليةً ترسِّخ نظاماً متحجراً وسلطويًا على أراضي السلطة الفلسطينية يعود الفضل في بقائه على قيد الحياة إلى المساعدات الدولية والتنسيق الأمني مع إسرائيل. فسياسات الاتحاد الأوروبي ومبادراته ومشاريعه لم تساعد في تحسين نظام العدالة في فلسطين، بل ساعدت في ترسيخ سياسات الاحتواء والإقصاء الحالية في ترتيبات ما بعد أوسلو، والتي تنظر بموجبها إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها "متعاقدًا من الباطن في مهمة تعزيز أمن إسرائيل"، بحسب تعبير وزير الخارجية الإسرائيلي السابق "بن عامي."

بوسع نظام الحكم الحالي القائم أن يكون سبيلا لتفكيك البناء الحالي للتمييز الراسخ، وبدلا من البحث عن سُبل تمكن السلطة الفلسطينية من ممارسة الحكم على نحو أفضل في ظل الاحتلال الإسرائيلي، ينبغي لواضعي السياسات الدوليين أن يبحثوا عن نماذج حكم بديلة تتجاوز الاحتلال. ينبغي في هذه النماذج أن تقوم أولاً على الاعتراف بوجود نظام فصل عنصري، وثانيًا، على الافتراض بأن الحكم لا يتمحور حول فكرة الدولة وإنما حول الحقوق الأساسية، التي ترتبط ارتباطًا جوهريًا بفكرة الحرية والمساواة والكرامة. وضمن إطارِ العمل هذا المناهضِ للفصل العنصري، ينبغي ألا ينصبَّ التركيزُ على التسوية النهائية للنزاع الفلسطيني–الإسرائيلي على خياري حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة، فجل النضال الفلسطيني في نهاية المطاف يجب ان يهدف الى التحرر من الاستعمار، والتمتع بحقوق متساوية، والحق في العودة إلى الديار والأراضي والتعويض عما فقد مهما كانت التسوية السياسية النهائية.

................................................................................

*محلل سياساتي في الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية، واستاذ مشارك في القانون العام في جامعة بيرزيت.