⁠⁠⁠ترامبيبي ... !!

بقلم : د. وليد العمري – القدس

كان بوسع الرئيس الامريكي الجديد دونالد ترامب أن يسكت عن الكلام ,المباح منه وغير المباح ,في مؤتمره الصحفي مع صديقه الحميم رئيس وزراء إسرائيل بيبي ( نتنياهو) ، كما كان يستمتع في مناداته كلما جاء على ذكره .

لترامب علاقة حب وإعجاب بنتنياهو تعود الى سنوات خلت ، ناهيك عن أنهما كمحافظ مسيحي متشدد وكصهيوني يهودي متطرف, يعتبران العالم المتمدن بالنسبة لهما ، هو العالم ( اليهودي المسيحي الغربي ) ، أما ألإسلام والمسلمين ، فهم في نظرهما مجموعات من " المتخلفين الإرهابيين". وهو ما جسده ترامب في قراره الذي حظر فيه دخول رعايا سبع " دول مسلمة " الى الولايات المتحدة ، وجعل المسلمين الأمريكيين هدفا لسهام الكراهية والعدوان .

لذلك عندما يستهدفوك كمسلم ، عليك أن تدافع عن نفسك كمسلم، وليس للموضوع علاقة بدرجة التدين والعلمانية . حتى العلمانيون المسلمون عربا كانوا أم من إثنية أخرى، أشعرهم ترامب بالمهانة, وبأنهم متهمون ومذنبون .

تماما كما قالت الفيلسوفة اليهودية الألمانية حنه أردنت، التي انتعشت مؤلفاتها وأفكارها من جديد قبل عام في الذكرى المائة لولادتها : " عندما يهاجموك كيهودي ، عليك أن تدافع عن نفسك كيهودي " .

من غير المعقول أن يصل الأمر برئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، مدير العالم ، الى درجة الانسجام التام مع زعيم اليمين المتشدد في اسرائيل، بل ذهب الى منافسته في تطرفه في المواقف في بعض القضايا .

يستهتر ترامب بقادة الدول العربية، وبشعوبها, عندما لا يكلف نفسه عناء استقبالهم ,أو التواصل معهم , ولو " على عينك يا تاجر "، ولم يلتزم ازاءهم الحد الادنى مما تمليه الاخلاق والاعراف الديبلوماسية .

من حقه كشخص أن يعشق بيبي ويحتفي به على طريقته ، وأن يمتدح في مؤتمر صحفي سارة الزوجة الثالثة لنتنياهو ، لأنها كما قال "تعاملت بلطف " مع زوجته الثالثة ملينيا. لكنه كرئيس للولايات المتحدة ملزم بأحترام قادة الشعوب والدول الاخرى .

أما أن يجري زعيم عربي لاهثا خلفه في ممرات أحد الاحتفالات, ولا يستقبله الا في غرفة جانبية على هامش الاحتفال وبعيدا عن الاضواء ، علما انه من حلفائه، وأن يبلغ سفيره في إحدى الدول العربية التي أدمتها آلة الحرب الامريكية وأسلحتها الفتاكة ، بأن الرئيس ترامب لا يرغب بلقائه ، لمجرد انه تمنى السفر الى واشنطن لتهنئة ترامب على توليه الرئاسة في واشنطن ، وأن يوفد رئيس مخابراته -" السي آي أيه"- للقاء رئيس دولة فلسطين في رام الله عشية استقباله الحافل لعائلة نتنياهو، نعم دولة فلسطين التي يفوق عدد الدول التي اعترفت بها عدد تلك التي اعترفت بأسرائيل، وهي دولة تحت الاحتلال الاسرائيلي يا سيد البيت الابيض , شاء نتنياهو أم أبى، وان يحدد في استقباله لنتنياهو مواقف شاذة عن الموقف الامريكي التقليدي لحل الصراع القائم على حل الدولتين ، وهي رؤيا اتى بها سلفه جورج بوش ، ودون ان يسمع رواية الطرف الثاني ،الضحية في هذا الصراع، فهذا مهين للعرب والمسلمين كبشر أيضا.

لا بل وصلت الوقاحة في إدارة ترامب الى عرقلة تعيين الأمين العام للأمم المتحدة لرئيس الوزراء الفلسطيني السابق د. سلام فياض نائبا عنه, رئيسا لبعثة الامم المتحدة الى ليبيا، وفرض مقايضة رخيصة على المنظمة الدولية ، تقضي بمنح اسرائيل جائزة ثمينة مضاعفة مقابل كل كسرة خبز تقدمها للفلسطينيين، وهي تعيين مسؤول إسرائيلي في منصب نائب او وكيل للأمين العام, حتى لو كان هذا الاسرائيلي متهما بجرائم حرب, وموظفا سابقا في الموساد ومشبوها بالمشاركة في عمليات اغتيال لقادة فلسطينين وعرب، وذلك كشرط للموافقة من واشنطن وإسرائيل على تعيين الفلسطيني، عار سكت عليه المجتمع الدولي ولَم ينبس ببنت شفة .

لقد تلفظ ترامب في رقصة التانغو مع نتنياهو، بعبارة " السلام بين بيبي والفلسطينيين ... ", سواء كانت زلة لسان أم مقصودة ، شأنها شأن قوله " دولتان أو دولة ... " . أيها الرئيس ترامب، المشكلة هي الاحتلال الاسرائيلي بكافة اشكاله العسكرية منها والاستعمارية . فأنت تعرف جيدا أن بيبي يريد قضم الضفة الغربية بعد أن استشرى فيها داء الاستيطان الاستعماري . فليجلو هذا الاحتلال أولا عنها. أما الدولة والدولتان والثلاث فهي في نهاية المطاف آلية للعيش والإدارة ، لكن عبارة" السلام بين بيبي والفلسطينيين"، يستشف منها أن أقصى ما يحلم به ترامب هو " سلام" بمواصفات بيبي، بوصفه زعيما لليمين وليس بمقاسات اسرائيل كدولة طبيعية تريد العيش بسلام في المنطقة.

ربما تواضع لغة ترامب الانجليزية بالمقارنة مع تميز مستوى لغة ضيفه نتنياهو، جعله يشذ وينبهر بقدرات حبيبه ويتعثر، لدرجة الاندماج بالدور في هذه الترامبيدا .

رب ضارة نافعة أيها المسلمون والعرب والفلسطينيون ، فقد كشف ترامب لمن في عيونه رمد منكم أيضا، أن الولايات المتحدة الأمريكية غير مؤهلة لتكون نزيها ولا وسيطا أيضا في المفاوضات في أي الصراعات المفروضة عليكم. لقد عشتم ردحا من الزمان وما زلتم ترقصون حول أنغام هذا الوهم. كفاكم مهانة وتذللا أيها القادة العرب .

عهد ترامبيبي، يقوم على عقيدة وزير الخارجية الامريكي التاريخي هنري كسينجر، "ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تحل أي مشكلة في العالم، لكن من مصلحتها أن تمسك خيوط المشكلة، وتحرك هذه الخيوط حسب المصلحة القومية الأمريكية" .

أضيفوا عليها في زمن الترامبيبياد مصلحة اليمين الاسرائيلي المتطرف ، ليكتمل المشهد، اللهم إلا إذا فقدتم البصر والبصيرة معا .