اسرائيل تشرعن العنصرية عبر قانون شرعنة الاستيطان

بقلم: وجيه أبو ظريفة*

صادقت الكنيست الاسرائيلية بالقراءة الثانية والثالثة على أسمته "قانون التسوية" اي قانون تبييض المستوطنات وشرعنة الاستيطان، وصدر بالتالي هذا القانون والذي هو بمثابة قانوناً عنصرياً بامتياز، ولا يمكن تجميله بأي صورة من الصور، فهو يعطي الحق لإسرائيل بمصادرة أراضي المواطنين الفلسطينيين الخاصة بأثر رجعي ومنحها للمستوطنين اليهود، حتى وان كانوا قدا استولوا عليها بالقوة، ويضفي الصفة القانونية على عملية نهب ومصادرة الأراضي الفلسطينية المتواصلة من قبل المستوطنيين والحكومة الإسرائيلية منذ عقود.

وسيمكن هذا القانون إسرائيل من القيام بترخيص كل البؤر الاستيطانية التي كانت قد أقيمت مسبقاً على أراضي خاصة يملكها أفراد، ما يعني الاعلان عن إنشاء وتكريس 120 مستوطنة جديدة، باستثناء مستوطنتي عامونا وعوفرا، لصدور قرار مسبق من المحكمة العليا بإزالتهما.

ويُنذر القانون العنصري هذا بنقل الصراع على الارض من صراع جماعي مع عموم الشعب الفلسطيني الى صراع شخصي ايضاً على ارض يملكها أصحابها منذ مئات السنين، فإسرائيل، وباصدارها لهذا القانون ستسلب الملكية الخاصة لاراضي الفلسطينيين فقط لكونهم عرب، كي تمنحها لمستوطنين تناصرهم دولتهم في الاستيلاء على الارض فقط لكونهم يهود، وبالتالي تُدخل الصراع الى آفاق جديدة تزيد من الكراهية والغضب وتؤدي بكل تأكيد الى مزيد من العنف والتطرف لمواجهة هذه العنصرية المقيتة.

ولم تكتف اسرائيل بالأراضي الحكومية او أراضي الملكية العامة لمصادرتها وبناء المستوطنات عليها وتوسيع ما هو قائم منها، كما انها لم تكتفي ايضاً بقانون املاك الغائبين الذي كانت تستخدمه كمسوغ قانوني لمصادرة أراضي المواطنين الفلسطينيين الغائبين قصراً عن أراضيهم وبلادهم التي طردتهم اسرائيل منها مسبقاً تمهيدا لمصادرتها، وامتدت اطماعها للأراضي الخاصة التي يملكها المواطنون الفلسطينيون وغالبيتهم من المزارعين الفقراء المحاصرين خلف جدار الفصل العنصري لتقيم عليها مستوطنات جديدة للمستوطنين اليهود، لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية، وزرع مئات الآلاف من المستوطنين المتطرفين حول المدن الفلسطينية، لتحولها الى معازل تعانى من التمييز العنصري والابارتهايد، تمهيدا لضم كل المنطقة "ج" التي تقارب في مساحتها ثلثي مساحة الضفة الغربية.

ويمثل القانون الجديد امتدادا لسياسة حكومة اليمين في اسرائيل برئاسة نتنياهو، حيث ان الحكومة هي من قدمت هذا القانون، والائتلاف الحكومي هو من ايده، وبالتالي حولت الحكومة نفسها الى حكومة مستوطنين، تقر قانونا مبنيا على أساس عنصري، وبالتالي قدمت نفسها كحكومة أبارتهايد لا تختلف أبدا عن حكومة بريتوريا العنصرية، او حكومات جنوب افريقيا العنصرية التي عاداها وعزلها العالم.

ولكن يبدو ان معايير العدالة في العالم قد اختلفت، فالقانون يصدر بينما رئيس الحكومة الاسرائيلية العنصرية نتنياهو في لندن يجتمع مع زعماء بريطانيا العظمىو وخلال ايام سيتوجه الى واشنطن ليلتقي الرئيس الاميركي ترامب، الذي لا يتوانى عن الاعتزاز بالعلاقة بين بلاده (اميركا) وبين الدولة العنصرية وزعيم الحكومة العنصرية، بل انه (ترامب) ربما سيقدم لنتنياهو مكافأة مجزية على إقرار هذا القانون، لا سيما وانه لا يرى في الاستيطان عائقاً امام عملية السلام (كما قال في اكثر من تصريح)، بل انه ربما يرى في المواطنين الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين، الذين تُصادر أراضيهم فقط لانهم عرب، معيقاً لعملية السلام التي تريدها دولة للاحتلال!

ان العالم بأكمله اليوم يقف شاهدا على عنصرية اسرائيل الواضحة، وعلى عنجهيتها وتحديها المجتمع الدولي والامم المتحدة، خاصة وان هذا القانون يتناقض مع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وهو مخالف لقرار مجلس الأمن ٢٣٣٤ الأخير، الذي اجمع على عدم شرعية المستوطنات، ومخالف لكل قرارات الشرعية الدولية بخصوص فلسطين والتي صدرت عن أجهزة الامم المتحدة، ومخالف لاتفاقية جنيف الرابعة وللقرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في لاهاي وميثاق روما الأساسي الذى يعتبر الاستيطان جريمة حرب ولكل الاعراف والمواثيق الدولية.

ويمثل هذا القانون العنصري الاستيطاني تحديا للعالم الحر بأكمله، الذى يتحمل بصمته المسؤولية عن كل ما تقوم به دولة الاحتلال من سياسات واجراءات عنصرية .

ان اسرائيل ما كانت ستقدم على مثل هذه الخطوات الفجة لو لم تكن حصلت على ضوء اخضر من الادارة الامريكية الجديدة، او على اقل تقدير على وعد بالصمت وعدم الملاحقة، فهي (اسرائيل) تحتمى الان اكثر من اي وقت مضى بالرئيس الامريكي دونالد ترامب، وربما تحتمى ايضا بسلبية مواقف الدول الغربية وغيرها، التي ربما تقوم في احسن الاحوال بإدانة القانون عبر بيان صحفي ليس اكثر.

ويمثل الضعف في الموقف الدولي السند الحقيقي لحكومة الاحتلال في تحديها للبشرية جمعاء، وللقانون الدولي، لأنها مطمئنة ان تكون محمية من أية عقوبات او اجراءات ضدها.

والسؤال الاهم اليوم هو: كيف يمكن للعالم وحتى للفلسطينيين الاقتناع ان هناك املا لاستمرار عملية التسوية؟ بل حتى مجرد الحديث عن مفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟ فهذا القرار، المضاف الى مجمل السياسات الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس، واستكمال بناء جدار الفصل العنصري، يقضى تماماً نهائيا على اي امل بما يسمى حل الدولتين، وبالتالي يقضي على مسيرة التسوية (بشكلها المعروف) التي انطلقت تحت عنوان "الارض مقابل السلام."

ولم تبق اسرائيل ارضا للتفاوض حولها، وبالتالي لم يتبق سلام او تسوية للحديث عنها، فما يجري الان هو تأسيس لصراع سيتحول بسرعة الى صراع عرقي، وربما صراعا دينيا في المنطقة والعالم، وهو صراع ان اشتعل، سيدخلنا في جحيم من الحروب والعنف، ولن يستطيع أحد السيطرة على هذا المارد ان خرج من القمقم، وعليه فان العالم الان امام الحقيقة المجردة لدولة عنصرية فاشية مارقة على القانون الدولي وقيم الأمن والسلم الدوليين، فإما ان يقف متحداً للجمها والا فان الجميع سيدفعون الثمن.

-------------------------------------------------------------------------

*وجيه ابو ظريفة : استاذ علوم سياسية ومحلل سياسي في شبكة السياسات الفلسطينية.