مستقبل المسيحيين في فلسطين من الوجود إلى الحضور

بقلم: رفعت عوده قسيس

قد يستفز عنوان هذه المقالة بعض القراء حيث يوحي، عن غير قصد، بان المسيحيين فئه معرضة للانقراض نتيجة عوامل ضغط او اضطهاد من نوع خاص وهنا يحضرني حديث ادلى به البطريرك ميشيل صباح في احدى محاضراته الكثيرة حيث قال: "إننا كمسيحيين لا نواجه خطرا خاصا بنا، بل نواجه خطرا يشمل الجميع في مجتمعنا. وهذا الخطر هو عدم الاستقرار وغياب السلام والعدالة"

لا اخفي باني اتبنى هذا الفهم كليا حيث ان الخطر الاساسي لوجودنا هو نفس الخطر الذي يواجه جميع الفلسطينيين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم الا وهو الاحتلال الاسرائيلي لارضنا وممارساته القمعية. وبالرغم من هذا الاحتلال وضغوطه وبالرغم من الهجرة المتزايدة للمسيحيين الا ان الوجود المسيحي هو وجود قوي وفاعل اذا اخذنا بعين الاعتبار التفريق بين الوجود والحضور حيث يعتمد الاول على الاعداد والارقام في حين ان الثاني يعتمد على الدور والنشاط الذي يقوم به المسيحيون في خدمة مجتمعهم الفلسطيني الواحد ودرجة اندماجهم وتوحدهم مع بقية ابناء الشعب الفلسطيني في المصير الواحد والمستقبل الفاعل.

والدلالات على قوة الحضور كثيرة اذكر منها التالي:

• ان الوجود المسيحي ممتد ومتواصل منذ فجر المسيحية قبل الفي عام ولا يزال ولم يندثر كما اندثر غيره بل بقي صامدا وفاعلا ومؤثرا

• ان هذا الوجود هو وجود محلي عربي اصيل منزرع وغير طارئ ولم يات من الغرب كما قد يفكر البعض او حتى كما ورد خطأ في بعض الكتب المنهجية الفلسطينية، حيث ان المسيحية ولدت في فلسطين مع ولادة المسيح في بيت لحم وانتقلت بعدها الى الغرب والى بقية دول العالم

• ان هذا الحضور هو حضور مؤسساتي ، منظم وراسخ. فالكنائس والمؤسسات الكنسية الدينية منها والمجتمعية وغيرها من الهياكل موجودة وقديمة ومستمرة. وتعتبر المؤسسات المسيحية من اهم الموظفين والمشغلين حيث لدى المؤسسات المسيحية الكثير من المشاريع والمؤسسات التي يزيد عدد موظفيها عن العشرين الف ثلثاهما من المسلمين الفلسطينيين

•ان هذا الحضور السياسي ، الاقتصادي والمجتمعي هو حضور مشارك ومتفاعل وليس بتمفرج مع ان مستوى المشاركة يشهد تباينا في القوه بحسب الظروف

•ان هذا الحضور هو حضور مجتمعي واسع منفتح يشمل الجميع دون تمييز بالطائفة او الجنس

•اخيرا ان هذه الكنيسة المنكسرة والمجروحة كغيرها من المؤسسات الفلسطينية والتي لا تزال قادرة على اعطاء الرجاء والامل في نفوس الناس وتعطي اكثر بكثير من قدراتها وامكاناتها لهي حضور حي ومميز وعصي عن الكسر اوالانقراض.

بالرغم من كل مما سبق فاني لا استطيع التغاضي او التجاهل بان هذا الحضور اصبح حضورا قلقا اكثر من اية مرحلة سبقت. بعض اسباب هذا القلق مبرر والكثير منها غير مبررة. وقد اضحينا اليوم كمسيحيين اسرى مدارس فكريه مختلفه يرى البعض منها بوجوب التركيز على المسيحيين كاقلية مجتمعية سقف مطامحها احترام دينها وحرية عبادتها والحفاظ على كنائسها ومقدساتها، في حين يرى البعض الاخر ان المسيحيين هم أقلية دينية لها الحق بالتمثيل السياسي على هذا الاساس وهذا ما رأيناه في نظام الكوتة السياسية المعمول به فلسطينيا خاصة في انتخابات المجلس التشريعي والبلديات. في حين تعتبر مجموعة اخرى نفسها جزءاً لا يتجزأ من هذا المجتمع وتنادي بالمواطنة الكاملة، على اعتبار اننا لسنا جزيرة ولا أقلية، ولو كان عددنا قليل.

وبرأيي ان مصدر هذا القلق المبرر سببه ما يحصل حاليا في الكثير من الدول العربية ونشوء بعض الحركات السياسية التي تدعي بانها اسلامية تهاجم وتضطهد الاقليات الدينية في المنطقة، هذا بالاضافة لممارسات اسرائيل العنصرية وسرقتها المنظمة للارض وانغلاق الافق السياسي على سلام عادل يضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي في منطقتنا. اما عن القلق غير المبرر وشعور المسيحيين بالاغتراب فسببه بالاساس افتقار المسيحيين الفلسطينيين إلى الثقة بالنفس ولعدم دراستهم ومعرفتهم الكافية بالحضور المسيحي وقوته في فلسطين. وهؤلاء متشائمون ومستعدون للانكفاء وحتى للهجرة. فعلينا ان ندرك بان مستقبلنا بأيدينا، حيث نمتلك من الامكانيات التي تتيح لنا أن نبقى في هذا البلد. وللدلالة على هذا اورد بعض المعطيات على سبيل المثال وليس الحصر:

•في حقل التربية والتعليم، لدى الكنائس والمؤسسات المسيحية العديد من المدارس والتي يعمل بها اكثر من ٢٥٠٠ موظف وتقوم بتدريس اكثر من ٢٥٠٠٠ طالب هذا بالاضافة للعديد من الجامعات والكليات والمعاهد المتوسطة

•في الحقل المهني، هناك العديد من مراكز التدريب المهني والمؤسسات المهنية التي تعمل في مجالات متعددة مدرة للربح

•في حقل الصحة، هناك العديد من المستشفيات والمستوصفات الصحية ومراكز تأهيل للمعاقين على اختلافهم والعديد من بيوت المسنين

•في الحقل الاجتماعي، هناك العديد من المؤسسات النسوية والشبابية التي تدار معظمها بشكل طوعي, والعديد من المجموعات الكشفية, والمؤسسات الخيرية والتي ايضا تدار بشكل طوعي .

•اما على المستوى السياسي فهناك الوزراء والعديد من الاعضاء في المجلسين الوطني والتشريعي والعديد من السفراء ورؤساء مجالس بلدية وقروية.

اما من حيث البنية الاجتماعية والاقتصادية فاكثر من 60% من عدد المسيحيين هم دون الاربعين وفي سن العطاء واكثر من 50% منهم هم من حملة الشهادات الجامعية العالية. واكثر من 50% يملكون او يعملون في مؤسسات اقتصادية اويعملون بمناصب عالية في مؤسسات اهلية وغير ربحية. ويعمل منهم حوالي 30% في مؤسسات مسيحية. ويعتبر حوالي ال30% من المسيحيين من ذوي الدخول العالية نسبيا.

هذا بالاضافة للامكانيات الكبيرة الموجودة لدي الكنائس والمؤسسات المسيحية والعلاقات الكونية والتي مكنتهم من القيام بفضح الممارسات الاسرائيلية ضد شعبنا ومن توضيح النضال الفلسطيني وقضيته العادلة ومن القيام بفعل المناصرة وتغيير الرأي العام وتحشيده لصالح القضية الفلسطينية منذ سنين عديدة. ولعل "وثيقة كايروس / وقفة حق" الصادرة عن المبادرة الوطنية الفلسطينية كانت التعبير المكثف عن هذه الامكانات حيث نجحت وفي سنين قليلة على احداث تأثير هائل في الاوساط الكنسية والمسيحية في كافة انحاء العالم وانتشرت انتشار النار في الهشيم وتم تبنيها ودعمها من شخصيات عالمية نافذة ومؤسسات ومجموعات تضامنية فاعلة.

هذه الوثيقة التاريخيه هي كلمة الفلسطينيّين المسيحييّن للعالم حول ما يجري في فلسطين من ظلم واضهاد بحق الفلسطينيين على مرمى ومسمع من العالم ومؤسساته مطالبين المجتمع الدولي بوقفة حقّ تجاه ما يواجهونه من ظلم وتشريد ومعاناة وتمييز عنصريّ منذ أكثر من ستة عقود. وثيقة الكايروس الفلسطينية هذه والتي استغرق اعدادها قرابة السنتين تحاكي في شموليتها وثيقة الكايروس الجنوب افريقية الشهيرة التي اعلنت في العام 1985 والتي شكلت انعطافة هامة في النضال ضد نظام الفصل العنصري هناك وعزله وسقوطه بعد سنوات قليلة من اصدارها. بالرغم من ان الوثيقة الفلسطينية هي وثيقة مسيحية محلية خالصة الا انها تخاطب ليس فقط المسيحيين المؤمنين بل تتعداها لتخاطب العلمانيين ايضا وكافة حركات التضامن الدولية والاقليمية مع الشعب الفلسطيني. وهذا ما اعطاها قوة وامكانيات هائلة للتحالف والعمل المشترك مع هذه الحركات لانهاء الاحتلال والمساهمة في بناء السلام العادل في منطقتنا.

اجمع كافة المراقبين على ان "وثيقة كايروس/وقفة حق" أنها الوثيقة الفلسطينية الاجرأ في طرحها للموضوعات اللاهوتية والسياسية. فهي تكاد تكون الوثيقة الاولى التي تناقش موضوعات لاهوتية هي اقرب للمحرمات كالوعد في الكتاب المقدس والاختيار والاستخدام السيء للكتاب المقدس لأغراض سياسية وغيرها من الموضوعات لتخلص الوثيقة الى اعتبار الاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية خطيئة ضد الله والناس. اما في الجانب السياسي فجرأتها تتجلى في انتقادها لاسرائيل وتحميلها المسؤولية الاولى عما يحدث من ظلم وقتل وتدمير، وانتقادها لامريكا لدعمها الأعمى لاسرائيل، واصرارها على حق العودة للاجئين وضرورة الافراج الكامل عن المعتقلين الفلسطينيين دون قيد او شرط. وانتقدت الوثيقة الانقسام الفلسطيني وان ارجعت المسؤولية الاساسية لهذا الانقسام للمجتمع الدولي لمقاطعتها للديموقراطية الفلسطينية ، الا انها لم تتوانَ عن نقد الذات ونقد مسببي هذا الانقسام العبثي. وتتجلى قمة الجرأة في طلبها من كنائس العالم مقاطعة اسرائيل لاجبارها على الرضوخ للشرعية الدولية.

هذه الامثلة توضح دون لبس بان الحضور المسيحي هو حضور قوي وفاعل ويجب ان يرى من خلال النظر اليه كوجود فلسطيني وان توفر هذه المعطيات الحافز القوي لمزيد من الانخراط في الهم العام وفي المشاركة الفاعلة لما فيه من مصلحه لشعبنا الفلسطيني وتقوية لصموده.