الجامعات الفلسطينية على خط المواجهة

بقلم سام بحور

تخوض الجامعات الفلسطينية مواجهة شاقة على جبهتين، إحداهما مع الاحتلال العسكري الإسرائيلي، والثانية، في الآونة الأخيرة مع الحكومة الفلسطينية. وعلى الرغم من أن لكل معركة منها مجموعة مختلفة جداً من التحديات، فإن النتيجة واحدة بوضوح. وإذا لم يكن التدخل الفوري والحاسم وشيكاً، فمن شأن الأضرار الهيكلية التي ستعيق جيلاً بأكمله من الطلاب الفلسطينيين أن تلازم القدرات التنموية في فلسطين لسنوات عديدة قادمة. هذا إذا لم يكن الضرر قد تم بالفعل.

تسبب الاحتلال العسكري الإسرائيلي لفلسطين (الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وقطاع غزة) بقدر كبير من الضرر للمجتمع الفلسطيني بشكل عام. الجزء الأكبر من هذا الضرر بارز للعيان، مثل الاستيلاء على الأراضي، والمستوطنات، والجدران، والأسوار، ونقاط التفتيش، والمطارات المهدمة، والمباني المدمرة بفعل القصف، على سبيل المثال لا الحصر. مع ذلك، فإن الضرر طويل الأمد والأكثر جدية غير ظاهر. أنا أدعو ذلك بالجزء الإداري المطبق للاحتلال العسكري الإسرائيلي. وتشمل هذه الجوانب الخفية للاحتلال قضايا من قبيل نظام التصاريح سيىء الصيت، والحد ومنع الوصول للطيف الكهرومغناطيسي، ومصادرة الموارد المائية، والقيود التي تحد من وصول الفلسطينيين إلى المياه، والقيود المفروضة على الاستيراد، والقائمة تطول.

هذه هي عناصر الاحتلال التي لا يمكن توثيقها في صورة فوتوغرافية. فمن بين العناصر الرئيسية التي سعت إسرائيل بشكل روتيني لاستهدافها نظام التعليم في فلسطين. لذلك فإن الإصرار الإسرائيلي على عرقلة التعليم الفلسطيني ليس بالأمر الجديد.

عندما كانت إسرائيل في سنوات تكوينها، تم إنشاء مكتب لمستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي للشؤون العربية. فبحسب ما جاء في الكتاب البارز للمحامي صبري جريس «العرب في إسرائيل» المنشور عام 1976، فإن أحد أكثر الأشخاص تطرفا ممن شغلوا ذلك المنصب كان أوري لوبراني (1960-1963). صرح لوبراني في إحدى المحاضرات «من المحتمل جداً أن يكون من الأفضل لو لم يكن هناك طلاب جامعات من العرب. ربما سيكون من الأسهل حكمهم إذا ما استمروا في العمل في قطع الخشب أو كنوادل.»

ويبدو أن تلك الرغبة لم تتلاش.

في وقت سابق من هذا الشهر، عقد معهد مواطن للديموقراطية وحقوق الإنسان، وهي مجموعة بحثية فلسطينية أصبحت مؤخراً تابعة لجامعة بيرزيت، مؤتمره السنوي الـ 22 تحت عنوان “التحديات المركبة أمام الجامعات الفلسطينية: هل من مخرج؟” عقد المؤتمر في جامعة بيرزيت يومي 30 أيلول والأول من تشرين الأول، 2016. وجاء مؤتمر معهد مواطن في أعقاب إضراب للطلاب في جامعة بيرزيت، والتي شهدت قيام مجموعة من الطلاب باستخدام سلاسل لإغلاق بوابات الجامعة عنوة، الأمر الذي أصاب الجامعة بالشلل التام لمدة شهر تقريباً وتأخير بدء العام الدراسي. ليس هناك ما يدل على أن الوضع قد إستقر لمنع الطلاب (أو اتحادات المعلمين أو العمال) من القيام بأعمال تعيق العمل مستقبلاً. وقد جعل هذا الإضراب مؤتمر معهد مواطن يعقد في وقت أكثر ملاءمة.

ضم المؤتمر جمهوراً كبيراً من كبار الأكاديميين ومديري التربية، بما في ذلك العديد من رؤساء الجامعات السابقين والحاليين، وممثلي القطاع الخاص، ومسؤولين في الحكومة الفلسطينية، بما فيهم الدكتور صبري صيدم، وزير التربية والتعليم العالي الحالي، بالإضافة للعديد من الوزراء السابقين. كما استضافت الجلسات الحوارية بعضاً من كبار المفكرين الفلسطينيين في مجال التعليم العالي.

في إحدى الجلسات، بعنوان “التعليم العالي:الاستمرار أو البدء من جديد؟”، تم تقديم لمحة تاريخية عن قطاع التعليم العالي الفلسطيني الشاب. وناقشت جلسة أخرى بعنوان “أين يقف التعليم العالي في فلسطين؟” ضرورة التثقيف من أجل التعليم، فضلاً عن التوعية لخدمة سوق العمل الإنتاجي، السوق المتضرر بشدة بفعل الإحتلال طويل الأمد. فيما حملت الجلسات الأخرى عناوين مثل “القيود المفروضة ذاتياً على التعليم العالي”، و”اقتصاد الجامعة واقتصاد البلاد”، و”التعليم العالي في ظل الاحتلال”، و”الإطار التنظيمي للتعليم العالي”، و”التعليم العالي وبناء الدولة”. وبعد الاستماع بانتباه لكل تلك النقاشات، كانت الرسائل الشاملة المسموعة بصوت عال وواضح تتمثل في كون نظام تعليمنا العالي الذي لا يزال في مرمى الاحتلال الإسرائيلي، والحكومة الفلسطينية، مع قيود مالية عميقة وانعدام لرقابة السلطة التشريعية، غير قادر على وقف الضرر الوشيك المحدق به من تلقاء نفسه.

من الجانب الإسرائيلي، تعتبر الأضرار التي لحقت بقطاع التعليم العالي منهجية. حيث أن الاستهداف المادي للمرافق الجامعية، كما هو الحال مع الجامعة الإسلامية في قطاع غزة، والاجتياحات المتكررة للجامعات، كالإجتياح الأخير لجامعة فلسطين التقنية (خضوري) في طولكرم وجامعة بيرزيت قد تسبب في إحداث أضرار مادية وتعطيل المسيرة الجامعية. علاوة على ذلك، فقد أجبرت القيود الثقيلة التي فرضتها إسرائيل على تنقل ووصول الفلسطينيين الجامعات على أن يتم إنشاؤها بالقرب من الطلاب، ليبلغ عددها 15 جامعة تخدم مجموعة سكانية يبلغ تعدادها 4.8 مليون نسمة مع أكثر من 220,000 طالب جامعي، مع ثلاث جامعات خاصة جديدة في طور الإنشاء. لا يستنزف هذا التفتيت الجغرافي القسري لمجتمعنا الموارد المالية فحسب، لكنه يأتي على العدد المتناقص من أساتذة الجامعات المؤهلين أيضاً، لا سيما أولئك الذين يحملون درجة الدكتوراه.

في الشهر الماضي، رفضت إسرائيل السماح بدخول الدكتور آدم هنية، الباحث المقيم في المملكة المتحدة، والذي كان مدعواً من قبل برنامج لنيل درجة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية في جامعة بيرزيت لإلقاء سلسلة من المحاضرات في الجامعة. لا يعتبر هنية أول أكاديمي يرفض السماح له بدخول البلاد. حيث أن عدد القيود والعراقيل الإسرائيلية طويل جداً لدرجة لا تسمح بذكرها هنا.

ومن جانب الحكومة الفلسطينية، فقد تم تسليط الضوء على عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية للجامعات من قبل جميع أعضاء الحلقات النقاشية تقريباً، وخاصة بالنظر لكون 40 في المئة من ميزانية الحكومة يتم توجيهها للجانب الأمني.

وزع مؤتمر معهد مواطن كُتيبا بعنوان “التعليم العالي في فلسطين .. ما وراء الأرقام!!!”، وأعتقد بأن علامات التعجب الثلاثة في عنوان الكتيب تتحدث عن نفسها. مع ذلك، فبقراءة مجموعة الإحصاءات المقدمة فيه، من إرتفاع معدلات البطالة، وتراجع الإهتمام بالعلوم، وحتى عجز سوق العمل على استيعاب الخريجين الذين يقدر عددهم بما يقرُب من 40,000 خريج سنوياً، يصبح من الواضح بأن الوضع قد وصل إلى نقطة اللاعودة وفاض عن حده، وعندما يحدث ذلك، فإنه لن يبقى محصوراً خلف أسوار الحرم الجامعي.

لقد كان منعشاً، وإن كان مثيراً للاكتئاب، أن نسمع عن القضية التي تقدمت بها الدكتورة سامية البطمة، الأستاذة المساعدة في الاقتصاد بجامعة بيرزيت، حول التأثير السلبي لليبرالية الجديدة على نظام التعليم العالي في فلسطين. فقد قدمت حجة مقنعة حول كون التعليم العالي لا يمكن أن يقتصر على توفير المهارات الوظيفية لخدمة السوق وهو ما أطلقت عليه اسم “أنتجة” التعليم، وإنما يجب النظر إليه من وجهة نظر اجتماعية أوسع من ذلك بكثير حيث يقوم التعليم العالي بغرس مجموعة من القيم والمهارات اللازمة لإنتاج متعلم على المدى الطويل لديه القدرة على تحمل دوره في المجتمع، سواء أكان ذلك من خلال الخدمة في مجال الأعمال التجارية، أو الانخراط في معضلة فلسفية، أو إنتاج الموسيقى، أو العمل كربة منزل.

ومن الجوانب التي كنتُ مهتماً بها والتي غابت عن المؤتمر مسألة كيفية تحقيق الإستفادة القصوى من المغتربين، من الأكاديميين وغير الأكاديميين، لدعم التعليم العالي للفلسطينيين، فضلاً عن مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية. فقبل انعقاد المؤتمر بأسبوع، أطلقت شركتي الاستشارية مجموعة على موقع لينكد إن، بإسم الشبكة الأكاديمية من أجل فلسطين ANPs، للبدء بجمع كل الأكاديميين الفلسطينيين والأكاديميين غير الفلسطينيين المتضامنين مع فلسطين في مكان واحد لبحث سبل دعم قطاع التعليم.

ومن المفارقات، أنني وبينما كنت أكتب هذا المقال، جاءت ابنتي نادين، في الصف الحادي عشر، وحاسوبها المحمول في يدها. وطلبت مني بحماس مشاهدة شيءٍ ما. وقد كان ذلك مقطع فيديو على اليوتيوب بعنوان “الشعب مقابل النظام الدراسي” لمغني الراب، وفنان الكلمات المحكية، ومخرج الفيديوهات الموسيقية، والناشط الحقوقي من سانت لويس، في ميسوري، ريتشارد ويليامز، والمعروف بشكل أفضل باسمه الفني “المسرحي” Prince EA. وقد كان توقيت نادين مثالياً.

التحدي الذي تواجهه فلسطين كبير. فكما يعبر الفيديو كليب الخاص بـ Prince EA عن ذلك ببلاغة، يتوجب علينا التعامل مع ذات التحديات الضخمة التي يتعامل معها العالم بأسره، لكن الفرق الوحيد يكمن في أننا يجب أن نقوم بذلك بينما يضغط الاحتلال على رقابنا. يفرض تجاهل الإصلاحات والحريات التي يحتاج إليها نظام التعليم في فلسطين بشكل ماس ثمناً باهظاً على الطلاب والمجتمع بشكل عام. وبينما يكافح المعلمون الفلسطينيون من أجل البقاء، يواصل المحتل الإسرائيلي تمهيد قمة الجبل لإنشاء المستوطنة القادمة.

* سام بحور، رجل أعمال فلسطيني أميركي. يقوم بحور بتقديم استشارات في مجال الأعمال مثل إدارة الأعمال التطبيقية (AIM)، وهو رئيس منظمة أميركيون من أجل إقتصاد فلسطيني نابض بالحياة. كما شغل منصب عضو مجلس الأمناء في جامعة بيرزيت في الفترة من 2004 – 2010. ويكتب كثيراً عن الشؤون الفلسطينية، فضلاً عن مدونات على موقع www.epalestine.com.