القدس ليست "الشماعة" لقرار تأجيل الانتخابات!

بقلم : راسم عبيدات

جميع القوى الفلسطينية بلا استثناء رحبت بإجراء الإنتخابات المحلية والبلدية،واتفقت على انها استحقاق وطني وديمقراطي كمقدمة لإنتخابات تشريعية ورئاسية،تخرج النظام السياسي الفلسطيني من ازمته العميقة المستعصية، كما اشاد الجميع بنزاهة لجنة الإنتخابات المركزية،وكل القوى اخذت تحشد اعضاءها وانصارها،وعملت على تحشيد وتجميع وتوحيد كل عناصر قوتها،من اجل ان تحقق إما فوزاً او حضوراً جيداً في هذه الإنتخابات،والتي إن بدت خدماتية إلا ان لها بعدا سياسيا ،والبعض اعتبر الفوز بها استفتاء على برنامجه والتفاف الجماهير حوله.

ولكن ما ان دارت العجلة حتى وجدنا بان حالة عدم الثقة والمناكفات الداخلية والتحريض والتحريض المضاد بين طرفي الإنقسام لـ («فتح» و«حماس») اخذت تتعمق وتشتد وطأتها وترتفع وتيرتها بشكل متصاعد،حيث وجدنا الإتهامات المتبادلة سيدة الموقف،«فتح» تقول بان «حماس» عرضت كتلتها ومرشحيها في القطاع الى عملية ذبح،حيث أسقطت محاكمها خمس قوائم لفتح،وبررت «فتح» ذلك بالقول بان «حماس» في ظل ما تعيشه من ازمة وتآكل في شعبيتها وحضورها في قطاع غزة،كنتيجة لسياساتها الفئوية،وعدم قدرتها على القيام بواجباتها هناك من حيث انتقائية عملية الإعمار والتعاطي مع الجماهير على أساس فئوي،واستمرار الحصار على القطاع وازمة معبر رفح وارتفاع معدلات البطالة والفقر،واستمرار ازمة الكهرباء وغيرها من المشاكل الأخرى،كل ذلك دفع حماس الى التضييق على «فتح» ومرشحيها وقوائمها،وممارسة كل أشكال الترهيب والتخويف بحقهم،خوفاً من سقوطها المدوي وفوز «فتح» في الإنتخابات.

وفي المقابل قالت «حماس» بان السلطة في الضفة الغربية تعرضت الى قوائمها وأفرادها بالتهديد والوعيد والإقصاء والإعتقال والملاحقة وغيرها، حتى لا تخسر الإنتخابات التي رجحت العديد من المصادر فوز حماس فيه بسبب ازمة فتح الداخلية.

من هذه المعطيات والوقائع نلمس شدة حالة الإحتقان في الوضع الداخلي الفلسطيني،ومدى هشاشة وعمق ازمة النظام السياسي الفلسطيني المتهالك والمتآكل،والذي أضحى بحاجة الى التجديد والتغيير في كل مفاصله وعناوينه وطرائق عمله.

نحن ندرك جيداً بأن الذرائع والمبررات التي ساقتها محكمة العدل العليا لوقف الانتخابات مؤقتا والتي هي عملية إلغاء لها، على الارجح في أغلبها ليست وجاهية او مقنعة لطفل فلسطيني،فهي تدرك تمام الإدراك،بان عملية التأجيل والطعون التي قدمت في العملية الإنتخابية،تحمل بصمات وأبعادا سياسية ،وليست إجرائية وقانونية،فهناك من كان يراهن بأن «حماس» لن تشارك في العملية الإنتخابية،وبالتالي تتحمل المسؤولية امام الجماهير الفلسطينية،بأنها ترفض العملية الديمقراطية ومصرة على نهج الإنقسام وتفتيت وحدة الشعب والأرض،ولكن قبول حماس بالمشاركة في الإنتخابات،إستتبعه تدخلات وضغوطات مورست على اكثر من جهة وطرف من اجل تأجيلها،فإسرائيل والرباعية العربية وقوى دولية كانت تضغط باتجاه تأجيل هذه الإنتخابات،معتقدة بان الظرف الحالي والوضع الفلسطيني،إرتباطاً بما يجري من تطورات وتغيرات في الواقع المحيط عربياً وإقليمياً،قد يترك بصماته وتأثيراته السلبية على ذلك.

محكمة العدل العليا الفلسطينية وغيرها ممن زجوا بموضوع القدس كمبرر لتأجيل هذه الإنتخابات كونها غير مشمولة بها،يدركون في قرارة انفسهم بأنها كلمة حق يراد بها باطل، حيث جرت انتخابات بلدية سابقة دون القدس وأقول جازماً ومتيقناً،بان الضغوط والتدخلات السياسية من قبل اسرائيل وقوى عربية وإقليمية ودولية،هي العامل الأساس في تأجيل هذه الإنتخابات،وكذلك الوضع الداخلي والنظام السياسي الفلسطيني المأزوم،هي من الأسباب الوجاهية لهذا التأجيل (الإلغاء)،فمحكمة العدل العليا الفلسطينية،منذ البداية تعرف جيداً بان القدس غير مشمولة في هذه الإنتخابات،وعندما نتحدث هنا نقول القرى والبلدات الفلسطينية المقدسية التي تخضع لسلطة وسيطرة بلدية الإحتلال "القدس"،والتي طرحنا وطرح المقدسيون ألف تساؤل وعلامة إستفهام حول إستثناء القدس من تلك العملية الإنتخابية،حيث اخذت السلطة امام ضغط المقدسيين تبحث عن طرق وآليات لمشاركة المقدسيين في هذه الإنتخابات،إما عبر توسيع امانة القدس الرمزية القائمة،او عبر إطار تمثيلي بإجراء إنتخابات لهم،خارج إطار حدود ما يسمى بلدية "القدس"،وقلنا إذا كانت السلطة والقوى السياسية والتي جميعها تتحمل مسؤولية إستثناء القدس من العملية الإنتخابية جادة حقيقة في مشاركة المقدسيين في هذه الإنتخابات،فيجب أن يكون ذلك من خلال اشتباك سياسي مع المحتل،فالقدس محتلة وفق القانون الدولي،ومن حق سكانها المشاركة في الإنتخابات.

ولكن البعض حتى يعفي نفسه من المسؤولية،يقول بان القدس مشاركة في الإنتخابات من خلال ال(28) تجمعا مقدسيا الموجودة خارج جدار الفصل العنصري،وخارج سيطرة بلدية الإحتلال،أما التجمعات التي يجب أن تشارك عبر تحد لسلطة وسيطرة الإحتلال المباشرة عليها،فتعطل الإرادة السياسية وقعت للبحث عن أشكال شكلانية فوقية عبر التعيين او التمثيل للمقدسيين،لكي تعفي نفسها من المسؤولية وخوض معركة او اشتباك سياسي سلمي مع المحتل حول القدس.

ولذلك فلتقل محكمة العدل الفلسطينية الحقيقة،ولا تدع قضية القدس وعدم شمولها بالإنتخابات تعرقل استحقاقا وطنيا،وان لا تستخدمها كذريعة للتأجيل (الإلغاء)،فالتأجيل والإلغاء الحاصلين،الجميع يدرك من الأساس بان الإنقسام وعدم توحد المؤسسات الفلسطينية وإزدواجية الإشراف والقرارات عليها ولها،ستلقي بظلالها على هذه الإنتخابات،وإن إجراء مثل هذه الإنتخابات في ظل واقع فلسطيني منقسم،من شأنها ان تعمل على إدارة الإنقسام لا إنهاؤه،ولكن ما حصل من عملية تأجيل "إلغاء" من شأنه ان يعمق من ازمة النظام السياسي الفلسطيني المأزوم،وان تزيد من حالة فقدان الثقة والإحتقان بين الجماهير، تجاه السلطات القائمة،وهي ترى بأن المصالح والحقوق العليا للشعب الفلسطيني،ضحية لأجندات واهداف ومصالح فئوية،وانه يجري استخدامها والزج بها في معارك بعيدة عن المصالح العليا للشعب الفلسطيني،ومن شأن مثل هذه القرارات والسياسات الإرتجالية المدمرة،ان تقود مشروعنا الوطني وقضيتنا وحقوقنا الوطنية الى كارثة حقيقية.