مخيم الدهيشة: حكايات عن رصاص وعكازات وألم وتحدٍ وإرادة

بيت لحم - "القدس" دوت كوم - نجيب فراج - في مخيم الدهيشة كل شيء أصبح جاهزًا للجنود الاسرائيليين لاقتحامه فجرا متى يشاؤون باعداد كبيرة، والهدف إيقاع اكبر قدر من الاصابات في صفوف الشبان الذين يزحفون الى الشوارع لملاقاة الجنود بالحجارة والزجاجات الحارقة وخاصة في منطقة الاطراف السفلية لاحداث الاعاقة في صفوفهم، وهو ما حدث خلال السنتين الاخيريتين، اذ يقدر عدد المصابين من الشبان بالرصاص الحي 81 شابا على الاقل منهم 60 شابا يعانون من اعاقات دائمة وتكثفت حالات الاصابة خلال الاسبوعين الماضيين، وسجلت نحو 26 اصابة، وجميعهم في منطقة الركبة وبالتحديد في الساق اليسري بحسب ما يقوله العديد من المصابين.

طبيعة الاصابات

الشاب محمود عبد العزيز عياد البالغ من العمر 23 سنة، أُصيب في شهر كانون اول الماضي برصاصة من نوع دمدم في الركبة اليسرى اثناء مواجهات عنيفة اندلعت في المخيم في ساعات الفجر الاولى، فأدت الى تهتك في العظم وإصابتين في العصب والشريان، وقد خضع لعدد من العمليات الجراحية، وكان آخرها قبل ثلاثة ايام في مستشفى الجمعية العربية في بيت جالا.

ويقول "الحمد الله خطر البتر قد زال حسب الاطباء، ولكنه لن يستطيع ان يتخلى عن العكازتين لتسانده في المشي على الاقل لسنتين قادمتين"، موضحا بان جنود الاحتلال وبأوامر من ضابط المخابرات الاسرائيلية المسؤول عن مخيمات محافظات بيت لحم المدعو "نضال"، يتعمدون اصابات في السيقان بهدف الاعاقة، وقد سبق لهذا الضابط ان هدد عددا من الناشطين في المخيم بالقول "انه سيجعل الشبان الذين يقومون بالقاء الحجارة ومواجهة الجنود خلال عمليات الاقتحام من الاصطفاف على الصرافات الالية للحصول على مخصصات هيئة الجرحى"، بحسب تعبيره.

الاستهداف الاستخباري

ويؤكد محمود الذي سبق له ان اعتقل لمدة سنة ونصف السنة، وبعد ذلك بشهرين اصيب بهذا الشكل، ان جنود الاحتلال يستهدفون النشطاء عبر المجهر أي ان الاصابات لم تكن عشوائية، فقد شوهد قناص يعتلي سطح احد المنازل وهو يعاين الشاب اشرف محمد الزغاري "23 سنة" ليعود لضابط المخابرات الواقف بجانبه ويسأله، ان كان هذا هو الهدف اما لا فطأطأ الاخير برأسه موافقا ليطلق الرصاصة الحية على ركبته اليسرى، وكان ذلك قبل نحو عشرة ايام، فاصيب الزغاري اصابة بالغة فيها، لينقل الى مستشفى بيت جالا الحكومي، ومن ثم الى مستشفى الجمعية العربية، وهو اسير محرر امضى نحو خمس سنوات واطلق سراحه قبل الشهرين.

عملية جراحية واحدة لا تكفي

وهذا يتكرر مع كافة الجرحى وغالبيتهم العظمى من الاسرى المحررين وغالبيتهم يعانون من اصابات بالغة لا تكفي عملية جراحية او اثنتين لهم، ومنهم من غادر الى الخارج نظرا لاصطدام علاجهم هنا كالجريح مصطفى اياد عليان الذي اصيب قبل عدة أشهر في ساقه برصاصة دمدم متفجر في العصب، مما جعله يعاني من الألم حتى لا يمكنه النوم، فجرى تحويله الى مستشفى في ايطاليا وهناك مكث لنحو خمسة اشهر لترميم ما يمكن ترميمه وتمكن الاطباء من تجنب بتر ساقه، ولكنه عاد على عكازتين ويحتاج الى مزيد من العمليات ولازال وضعه خطرا، ومن بين المصابين ايضا خلال مواجهات متجددة فجر الثلاثاء الاخير الفتى مؤيد جمعة عدوي البالغ من العمر 17 عاما حيث اصيب في ساقه بالشريان المغذي للقلب ووضعه الصحي حرج للغاية، وقد اجريت له عملية ابعدت بعض الشيء شبح الاستشهاد، اما الفتى عيسى المعطي "14 سنة" الذي اصيب مع بداية الهبة الحالية في الاول من تشرين أول من العام الماضي، فقد اصيب برصاصة دمدم، فلم يتمكن الاطباء من التجنب لبتر ساقه في احدى المشافي الاسرائيلية.

التجارة الرابحة

ويضيف محمود عياد، ان عدد المصابين خلال الشهرين الماضيين قد بلغ 26 مصابا وجميعهم من الاسرى المحررين بينهم 15 مصابا خلال الاسبوعين الماضيين وجميعهم يتكئون على عكازات ليصبح عدد العكازات 52 عكازا. يقول والد احد الجرحى مازحا انه يفكر بان يتاجر في هذا النوع من البضاعة على اعتبار انها تجارة رابحة نظرا لكثرة المصابين.

الشاب الجريح نضال محمد عبيد البالغ من العمر 26 سنة يعتبر الجريح الاول الذي يصاب بطريقة القنص المتعمد في ساقه، وذلك في التاسع من كانون اول عام 2014 فتهكتك عظام ساقه اليسرى واصيب بجروح بالغة واقترب خطر البتر منها بشكل كبير تم تجنبه في الآونة الاخيرة، حينما تم تحويله الى احدى المشافي الالمانية وبعد عناء طويل، وقد ذهب نضال على عكازتين ليعود بعكازة واحدة ويعتبر ذلك انجازا، خاصة وان اخطاء طبية تعرض لها ادت الى تلف في العصب، ويؤكد ان الهدف من هذه الموجه من الاصابات هو اقعاد اكبر قدر ممكن من الشبان طريحي الفراش، وانها سياسة خطيرة لا يمكن لاحد تخيل نتائجها فعندما نشاهد عشرات الشبان على عكازات يجب علينا ان نعي الخطورة ويجب ان يكون هناك عناية كبيرة من قبل السلطة وكافة القطاعات لمواجهة هذا الخطر الشديد.

وقال الشاب عبيد وهو يتحدث برباطة جأش وبثقة كبيرة، ان الشبان الجرحى لا تتوقف معاناتهم عند هذا الحد فهم يبقون تحت طائلة الاستهداف ليزج بهم في السجون مرة اخرى وهذا ما حصل مع الجرحى رغد رائد شمروخ، وكرم نصري عبد ربه، وحمدي معروف الاطرش المصابين في سيقانهم وبعد عدة اشهر من الاصباة والعلاج قام "نضال وجنوده باعتقالهم مع بداية الشهر الحالي، اثنين منهم ذهبوا الى السجن بمعية العكازات".

دقة تخمين العجز

وهنا لا يمكن عند الحديث عن الجرحى واصاباتهم الا ويتم الولوج لكيفية معالجات الامر. يقول الشاب حمزة الصيفي الذي اصيب برصاصة نجته من ان يحمل العكازات الى الابد، ولكن شقيقه معاذ اصيب باصابة لم تنجه من العكازات، "ان البيروقراطية والبطء في التحويل، مشكلة بحد ذاتها. والمشكلة الاخرى التأخر في صرف الرواتب من قبل جمعية الشهداء والجرحى حيث يتم تخمين نسبة العجز في كثير من الاحيان بطريقة تؤدي الى استفزازنا". وضرب مثلا قضية شقيقه المقعد، وقد حسم له نسبة 10% وهذه نسبة قليلة للغاية، كذلك قضية الفتى عيسى المعطي والذي بترت ساقه من منطقة الركبة، فقد حسبت له نسبة العجز في بداية الامر 37% ولدى الاحتجاج ارتفع الى 52%، ومع ذلك فهو غير كاف. وقال" نحن نريد اولا ان يشعر الجريح بالكرامة والعزة وليس ان يتحول الى عالة او يشعر بذلك، وكذلك نحن نريد التقييم العلمي والمنطقي القائم على الدراسات العلمية لدى معرفة نسبة العجز، فهؤلاء الجرحى سقطوا من اجل فلسطين وضحوا من اجل كرامة شعبهم، ولدينا معنويات عالية للغاية اذ لم يشعر الجرحى وحتى بعد اعاقاتهم بالندم، ليس ذلك وحسب بل ايضا ان الجراح تعمق الشعور بالعزة والكرامة ولا تخيف الاجيال المتلاحقة، فعندما يسقط الجرحى باعداد كبيرة يعتقد البعض ان المظاهرات داخل المخيم سوف تتقلص، ولكن في الاقتحام الجديد تشاهد اعداد المشاركين فيها قد ارتفع غير آبهين بكثافة الرصاص او نوعيته القاتلة".

اللقاء والتصوير بالصدفة

في الاسبوع الاخير كان لعدد من الجرحى مواعيد منفصلة للمراجعة الطبية في الجمعية حيث تجمع بالصدفة سبعة منهم ليقتنصوا فرصة التصوير في باحتها الخارجية، فكانت العكازات عنصرا اساسيا في الصورة، اما الابتسامة والمعنويات العالية وحدقات العيون المتمحصة والمحدقة نحو مستقبل افضل، فقد طغت وبامتياز.

الجبهة الشعبية، اصدرت بيانا اتهمت فيه الجانب الاسرائيلي باستهداف عناصرها وبشكل متعمد بالرصاص الحي والدمدم لاقعاد اكبر عدد منهم، كما اتهمته ايضا باستهداف عناصرها بالاعتقال، حيث اعتقل في الاسبوعين الماضيين عشرة من نشطائها في المخيم. واكد البيان ان هذا القمع لن يجعل شعبنا ان يرفع الراية البيضاء وسيبقى متمسكا بحقوقه المشروعة، وعلى رأسها حق العودة وتقرير المصير.