مقاومة استيلاء "داعش" على الرواية الفلسطينية *

بقلم: سمر بطراوي**

دأبَ تنظيم "داعش" على استخدام موجة المواجهات التي شهدتها وتشهدها فلسطين منذ عدة شهور مضت ضمن دعايته الإعلامية، وما انفك يهلل لعمليات الطعن كجزء من عقيدته السلفية الجهادية. ورغم أنه من الصعب الجزم قطعًا بشأن نظرة "داعش" إلى فلسطين، الا انه من الملاحظ ان هناك عناصرَ متكررةً في خطابه بشأن القضية الفلسطينية، وهذا متجذرٌ في طريقة تفاعل الجماعات السلفية الجهادية الأخرى مع قضية فلسطين، ولا يبدو أنه يتأثر كثيراً بنظرة الفلسطينيين إلى السلفية الجهادية، بل يبدو أن هدفه التماس الشرعية التي تستأثر بها القضية الفلسطينية في أوساط المجموعة المستهدفة التي يود السلفيون الجهاديون الوصول إليها.

وتقصُرُ "داعش" حديثها عن القضية الفلسطينية في أربعة عناصر او عناوين هي: غزة والقدس وعمليات الطعن والسياسة الفلسطينية الداخلية. ولكن الجانب المصطنع في محاولة التأطير الداعشي لقضية فلسطين هو غزة، فقد ركبت الجماعة موجة الغضب الطبيعية ازاء مصير السكان في القطاع، ولكنها لم تكن مضطرة إلى أن تكون عاملًا للتغيير الإيجابي على أرض الواقع. ويندرج تركيز "داعش" الخطابي على غزة في انتقاد الممارسات الإسرائيلية بما فيها الحصار والعدوان المتكرر على قطاع غزة، مثل عملية "الجرف الصامد" عام 2014، وانتقاد حماس أيضاً، كما تجلى في استنكار "داعش" الشديد لحملة التضييق التي تقودها حماس ضد السلفيين في غزة في صيف 2015. أمّا مصير الفلسطينيين في غزة فلا يناقشه "داعش" لأجل ذاته، وإنما كوسيلةٍ دائمة لانتقاد إسرائيل، وبوتيرة أكبر، لنزع شرعية حماس.

وبالنسبة إلى القدس، فإن المصطلحات التي يختارها تنظيم داعش تعد مؤشراً جيداً لنظرته إلى المدينة، فالمصطلح الأكثر استخدامًا في تصريحاته هو بيت المقدس، والذي يمكن تفسيره في معناه الضيق بالمسجد الأقصى أو الحرم القدسي، أو مدينة القدس في معناه الأوسع. وبانتقاء داعش للمصطلحات على هذا النحو تأكيد على أن التركيز على فلسطين هو ديني في المقام الأول.

تطرق "داعش" في تصريحاته المتعلقة بالقضية الفلسطينية الى موجة عمليات الطعن الاخيرة التي شهدتها الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ منتصف شهر تشرين الاول الماضي، ولكنه لم يتبن أي عملية طعن، كذلك لم تُنسب عمليات الطعن تلك ايضاً لأي جماعة أو فصيل او تنظيم فلسطيني، فمصطلح انتفاضة الأفراد، الذي تردد في أوساط الفلسطينيين والعرب في الأشهر الماضية، يعكس التصور العام لهذه العمليات. ومع ذلك، انتهز داعش الفرصة لطرح روايته بشأن عمليات الطعن في سلسلة من التصريحات المسجلة، كما أشاد "داعش" بعمليات الطعن واعتبرها وسيلةٍ لتحرير المسجد الأقصى ودليلا على فشل النخبة العربية العلمانية والسياسة الفلسطينية "المتواطئة مع الشعب اليهودي" لاحتلال القدس.

وتماشيًا مع هذا الطرح، دعا تنظيم "داعش" في العديد من تسجيلاته إلى أعمال عنفٍ ضد اليهود، وطلب من الفلسطينين والمقدسيين الإذعان لنداء الوحدة الإسلامية، كما بث هذا التنظيم ايضاً تسجيلات مصورة تُظهر عباس ونتنياهو وتنتقد تعاون القادة العلمانيين العرب مع اليهود ودعا الفلسطينيين الى شن المزيد من عمليات الطعن والدهس، وانتقد حركتي فتح وحماس على السواء، معتبراً تصريحات وشعارات الحركتين بانها فارغة وبأنهم لم يجلبوا للشعب الفلسطيني سوى "الذل والعار والدمار". وفي معظم منشوراته المتوفرة على شبكة الإنترنت، ينتقد "داعش" القيادات الفلسطينية والعربية أكثر ممّا ينتقد إسرائيل، ويصف فتح وحماس بالكفر والعلمانية وخيانة القضية السلفية الجهادية. ويقسو تنظيم داعش بوجه خاص على حركة حماس إذ يستنكر سياساتها ضد السلفيين، ويتهمها بالتعاون مع إسرائيل من خلال قمع المقاومة ضد إسرائيل، في حين، يذهب "داعش" شيطنةَ اليهود إلى مستوى جديد، حيث يلومهم على كل الشرور في الشرق الأوسط ويحث المسلمين على قتل اليهود من اجل الله لا من اجل الارض او الوطن.

تحريفات "داعش" تلك للقضية الفلسطينية خطيرٌة وعنيفة، كما انها لا تتوافق، مثلًا وفي بعض الاحيان، مع وصايا الشهداء الفلسطينين الذي قتلهم الاحتلال بدم بارد في الهبة الاخيرة والذين، ووفقاً لما ورد في وصايا بعضهم، ارادوا الشهادة دفاعًا عن الارض والوطن والشعب. ولكن، وبغض النظر عن مدى شرعية عمليات الطعن كوسيلةٍ مشروعة للمقاومة، فإن من الأهمية بمكان أن ننظر إليها كتعبيرٍ عن المظالم السياسية، وليس من باب التعصب الديني الذي يسعى "داعش" كي يعزوها له.

الامر الاكثر أهمية يكمن في ان نظرة "داعش" للقضية الفلسطينية تتجاوز نزع الشرعية عن فصائل فلسطينية محددة إلى نزع الشرعية عن الرواية القومية. بل إن التنظيم يلوم اليهود على إعادة تأطير القضية الفلسطينية كقضية وطنية بدلًا منها كقضية جهادية، ويعتبر ان مَن يتبع الرواية الوطنية هو متعاون مع العدو باعتقاده ان الصراع مع اليهود هو صراع ديني وعقائدي، وليس قومياً أو وطنيًا أو على أرض أو على حدودٍ وضعها المُستعمِر، كما ينظر الى المفاوضات مع عباس باعتبارها مفاوضات بين اليهود واليهود بعضهم مع بعض.

يتعامل "داعش" بطريقة انتقائية مع عناصر القضية الفلسطينية، ويؤطر ما ينتقي منها على نحو يختلف تمامًا عن نظرة الفلسطينيين لها في نضالهم من أجل تقرير المصير. وبالإضافة إلى ذلك، يعمد "داعش" إلى مفاقمة المشاكل القائمة داخل فلسطين، مثل تراجع شرعية السلطة الفلسطينية وتشرذم السياسة الوطنية وذلك دون أن يضطر هذا التنظيم لفعل شيء جوهري على الأرض، فالتنظيم يستغل الواقع السياسي الفلسطيني المتشرذم والعاجز في ظاهره، ويفاقمه ليس لمصلحة أحد سوى مصلحته. وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل تحريضها على الفلسطينيين على أساس أنهم يمثلون شكلا من التطرف العقائدي المشابه لداعش، حيث يساوي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو  "داعش" بحركة حماس ويدعي ان الفلسطينيين في جوهرهم متطرفين يعتنقون "ثقافة الموت". وهذا ينطلق من خطاب قديم يصور الفلسطينيين كمسلمين عقائديين حانقين لاعقلانيين، كما ذُكر آنفًا. ويقترن هذا الخطاب بنموذج حداثي يصور اليهود الإسرائيليين كشعب متطور ومثقف على النقيض من الفلسطينيين المتخلفين، وقد بات هذا الخطاب راسخًا في الخطاب الأشمل حول التطرف والإرهاب.

ثمة وسماً مستمراً للقضية الفلسطينية بأنها متطرفة بطبيعتها، وأنها تقوم على الكراهية الأزلية التي تتوق إلى الموت والتدمير الذاتي، رغم أن الطبيعةَ العلمانية التي اتسمت بها القضية الفلسطينية تاريخيًا موثقةٌ ومناقشةٌ على مر السنين. وهذا لا يعني أن الإسلام لا يلعب دورًا على الإطلاق في بعض روايات الهوية الفلسطينية وتجلياتها السياسية، بل يعني أن الهوية الغالبة، حتى بالنسبة إلى جماعات كحماس، هي الهوية الفلسطينية وليست الإسلامية، والهدف السياسي هو نيل الفلسطينيين حقَّهم في تقرير المصير، وليس إنشاء دولة إسلامية عابرة للحدود الوطنية.

ولكن، يبدو أن الفلسطينيين مترددين في التصدي لمسعى "داعش" في احتواء مظالمهم وحقوقهم وأهدافهم السياسية في دعايته الإعلامية، ولربما يُعزى ذلك إلى أن التصدي لذلك المسعى قد يظهر وكأنه شرعنةٌ له، غير أن تجاهل استلاب داعش لروايتهم بات يُلحق ضرراً متزايداً بالقضية الفلسطينية، ليس فقط لأن الفلسطينيين يظهرون كالمتفرج بينما تُستَغل تجاربهم وحياتهم في دعاية "داعش" الإعلامية، ولكن لأن ذلك فتح الباب أمام أصوات أخرى لصياغة الرواية الفلسطينية بالنيابة عن الفلسطينيين.

إن مقاومة استيلاء "داعش" على الرواية الفلسطينية ليست واجبًا أخلاقيًا وحسب، بل تنطوي على قيمة استراتيجية، فالمظالم الفلسطينية إنسانية بحتة، وملموسة وراهنة، وتقوم على أساس حقوق الإنسان المعترف بها عالميًا، وهي ليست نابعةً من محنة دينية متصوَّرة، وإنما من واقعٍ سياسي تكابد بسببه أجيالٌ من الفلسطينيين من مختلف الأديان التطهيرَ العرقي والاستعمار والحرمان من الموارد الطبيعية والاعتداءات العسكرية والاحتلال والحصار والنفي وما إلى ذلك من الويلات. وفي الوقت نفسه، يتنصل مرتكبُ هذه الجرائم من المسؤولية طالما ظل مهيمنًا على الرواية، ولهذا يجب على الفلسطينيين أن يكونوا الفاعلين وأن يأخذوا زمام ولايتهم وأن يحموا روايتهم من أن يسلبها تنظيم "داعش" أو أن تشيطنها الأصوات المعادية للفلسطينيين، باستخدام كل ما أتيح لهم من أدوات.

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------

* يستند هذ المقال الى ورقة سياساتية نشرت في شبكة السياسات الفلسطينية تحت عنوان: فلسطين في بروباغندا داعش الاعلامية

** عضوة سياساتية في شبكة السياسات الفلسطينية: "الشبكة" وطالبة دكتوراه في العلاقات الدولية في جامعة كينجز كوليدج-لندن.