جدران القدس.. "وكالة أنباء الانتفاضة"

القدس - "القدس" دوت كوم - سعيد عموري - جدران المدينة هي لسانها أيضاً، هكذا (كغيرها من مدن وبلدات ومخيمات فلسطين) أضافت القدس وظيفة أخرى لأسوارها ومبانيها التي تحمي تاريخ وإرث أهل المكان، جدرانها غدت صفحة تخاطب عبرها ابناء فلسطين والعالم حين تقفل نوافذ الإعلام أمامها او تكاد.

لا بأس بـ"صحيفة" تُطبع على حجارة السور والبيت والمتجر كي تنقل حكاية الفلسطيني في مواجهة مُحتليه، وكما هو جدير بان يكون سلاحا بيد المقهورين، فالحجر يستطيع نقل الرسالة ايضاً.

هكذا انبثقت في انتفاضة الفلسطينيين الاولى فكرة الكتابة على الجدران، وغدت اقرب ما تكون لـ "وكالة انباء الانتفاضة" او لصحف بيد نشطاء الانتفاضة فلجأت لها الأحزاب كوسيلة لتبعث روح المقاومة بين المواطنين ولتنقل رسائل مختلفة لهم كاحدى اهم وانجع الوسائل التي شاعت كبديل عن البيانات المطبوعة، التي حرص الاحتلال على منع نشرها ومحاربته امتلاك الفلسطينيين لوسائل الاعلام الاعتيادية الفاعلة.

الشعارات الجدارية وسيلة مقاومة

ويقول رئيس نادي بيت حنينا المقدسي حازم غرابلي، الذي كان شبلاً في الانتفاضة الأولى واعتقل وهو قاصر بتهمة الكتابة على الجدران ورفع العلم الفلسطيني "خلال الانتفاضة الأولى كانت البيوت الفلسطينية جزءا من العمل النضالي والحالة الجماهيرية، كان الناس يقاومون بأملاكهم وأموالهم وبيوتهم الى جانب المشاركة الجماهيرية كانت سببا بانتشار الكتابة على الجدران كأداة مقاومة".

ويشير غرابلي إلى "أن الإمكانات الإعلانية كانت محدودة بسبب ممارسات الاحتلال، الذي كان يراقب المطابع، وعليه فان الكتابة على الجدران كانت أفضل وسيلة لتعبئة الجماهير".

واضاف "الكتابة على الجدران لم تكن مكاناً للمناكفات والردح والانقسام، بل كانت أداة لتشجيع الناس على المشاركة الشعبية بالنضال وتشييع الشهداء ورفض الاحتلال وممارساته، او الدعوة لإضراب ضد الاحتلال.. الخ".

اداة نضال

ويؤكد الكاتب والصحفي راسم عبيدات، وهو أسير سابق، أن "كتابة الشعار في الانتفاضة الاولى كانت من أهم وأبرز الوسائل النضالية للمقاومين وللفصائل من اجل التواصل مع الجماهير. لم يكن هناك وسائل اتصال اجتماعي أو فضاء إعلامي واسع كما هو اليوم".

ويضيف عبيدات "حرص الاحتلال على محاربة هذه الظاهرة النضالية، واعتبرها أداة رسمية تحرض على مقاومته وإنهاء وجوده، لذا كان لا يستهين بتاتاً بالكتابة على الحيطان".

أدبيات المقاومة..

وكانت الكتابة على الجدران تعبر عن توجهات القيادة الموحدة للانتفاضة ومواقفها ازاء الاحداث والقضايا المختلفة ، فلم يكن ابن "فتح" يعتدي على شعار كتبه أبناء "الشعبية"، لأن "أدبيات المقاومة" كانت تنظم العمل الوطني النضالي كما يقول عبيدات الذي قال "كانت الشعارات تكتب بشكل محترم لا يسيء للآخرين، حتى لو كانت تعبر عن موقف حزبي معين او مغاير، كانت العلاقة بين الحركة الوطنية وأطرافها متماسكة وأفضل بكثير مما هي عليه اليوم".

أحكام إسرائيلية قاسية

وكان الاحتلال يحكم على من يُدان بكتابة الشعارات الجدارية من المقدسيين ما بين 8 شهور إلى 4 سنوات، وهو امر بدأ يتلاشى تدريجياً في السنوات الأخيرة بسبب تغير نمط المقاومة، وانحسار الانتفاضة الشعبية العفوية التي كانت منتشرة بين أزقة المدينة.

وكانت سلطات الاحتلال تعتبر اقدام المقدسيين على كتابة الشعارات الجدارية بمثابة "خيانة"، بحكم أنهم "مواطنون في عاصمة إسرائيل"، لذا فإن الأحكام التي كانت تصدر ضدهم اعلى بكثير مقارنة بتلك التي تصدر ضد الفلسطينيين من ابناء المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية الاخرى.

ويعتقد الباحث في العلوم الاجتماعية وفلسفتها الدكتور خالد عودة الله، بأن استخدامات الكتابة والرسم على الجدران تعددت كفعل مقاوم، فالاستخدام الاول كوسيلة للتواصل الجماهيري تكمل عمل المنشور الورقي أو الاذاعة الثورية فتعلن عن الفعاليات والموقف السياسي وارشادات عملية وغيرها.

واضاف "الاستخدام الثاني كان لمقاومة سيطرة المستعمِر على المكان فهي تحدٍ لهذه السيطرة من خلال /تحرير المكان/ عبر الكتابة والرسم، أما الاستخدام الثالث فكان عبر /مساحة عرض/ للفن الثوري وللرسومات وللجداريات الشعبية".

وقال: "لم تخلُ هذه الممارسة من اشكاليات مثلها مثل كل الوسائل الدعائية مجهولة المنشأ، فكانت وسيلة لبث الدعاية المضادة للمقاومة من خلال الشائعات والتشهير، وفي مرحلة ما اصبحت وسيلة صراع داخلي أكثر من دورها كوسيلة مقاومة".

ويؤكد عودة الله: "يتضاءل دور هذه الوسيلة مع بروز تقنيات التواصل الرقمي والتلفزيوني والتواصل الاجتماعي، وصولا إلى تحول الجداريات الى "فن مموّل غير مرتبط بالنضال الوطني الشعبي".

ويرى الباحث في علم الاجتماع عبد العزيز الصالحي، أن الكتابة على الجدران مرت في مرحلتين، الأولى "مرحلة تأسيس في بناء الوعي الجمعي، والمرحلة الثانية كانت في صهر وعي الإسرائيليين، بخصوص الوعي الجمعي الفلسطيني والعمل التنظيمي، فقد كانا على خط واحد، لكن العمل التنظيمي كان في مرحلة ما سريا للغاية، لكن في مرحلة إعادة بناء الوعي، أصبح وجود هذه الشعارات هاما للجمهور والتواصل معه، أما المرحلة اللاحقة، فقد تحولت لدلالة على أن المقاومة موجودة في كل زقاق يمكن ان يمر فيه الاسرائيلي، او علامة على التواجد والبقاء من الرغم من القمع الإسرائيلي للوعي وللمقاومة الفلسطينية وتعبير عن التحدي لمحاولات الالغاء التي مارسها الاحتلال.

لسان حال الناس

وتمتلئ جدران القدس بالشعارات التي تعبر عن لسان حال اهلها وعموم الفلسطينيين، بدءاً من توجهاتهم السياسية والاجتماعية، أو رفضهم وامتعاضهم من ظاهرة او سلوك او موقف معين، أو تذمرهم من مصاعب الحياة.

وجاء في احد هذه الشعارات على سبيل المثال "اللعنة على داعش" بينما قال اخر "إلى مزبلة التاريخ"، فيما ترفض إحدى الشعارات التنسيق الأمني، وأخرى ترحب بأسير محرر، وثالثة تنعى شهيداً.